أرسلت إلينا رسولاً ويكون بيان العذر حجة للناس على الله تعالى عن ذلك وأيضاً الملازمة بين كون الحسن والقبح العقليين وبين جواز العذاب البعثة ممنوعة فإن جواز العقاب فرع الحكم ونحن معشر الحنفية لا نقول بوجود الحكم قبل البعثة وإنما ينهض هذا الدليل على القائلين بوجود الحكم قبل البعثة من المعتزلة وطائفة الحنفية من أهل العراق القائلين بأن العقل قد يستقل بإدراك بعض الأحكام وأجاب المعتزلة وتلك الطائفة من الحنفية عن هذا الدليل بأن العذاب المفهوم من الآية هو عذاب الاستئصال في الدنيا كما عذب به المتقدمون من مكذبي الرسل بدليل الآية الأخرى التي بعدها وهي قوله تعالى «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً» أي أهلكناها فمعنى الآية وما كنا معذبين في الدنيا حتى نبعث رسولاً ورد الأشاعرة وأكثر الحنفية هذا الجواب بأننا نسلم ورود الآية في عذاب الدنيا لكن ذلك لا يجدي نقما فإن الآية لما دلت على أنه لا يليق بحكمته ورحمته إيصال العذاب الأدنى وهو عذاب الدنيا على ترك الإيمان والشرائع قبل تنبيههم بإرسال الرسل فدلالتها على أن لا يصل إليهم العذاب الأكبر وهو عذاب الآخرة على تركها أولى اهـ.
( ) قال الأسنوي «ولك أن نقول هذه الآية تدل على إبطال حكم العقل مطلقاً الخ» أقول قد علمت أن المراد بالشكر في هذه المسألة الشكر بفعل الواجبات وترك المحرمات كما قدمناه وأن الأشاعرة قالوا في استدلالهم بهذه الآية لو كان الحسن والقبح عقليين لا شرعيين لجاز العقاب على مرتكب القبح وتارك الحسن إذا كان تركه قبيحاً إلى آخر ما سبق فالآية نفت التعذيب على شكر المنعم الذي هو فعل الواجب التي هي المستحسنات وترك المحرمات التي هي المستقبحات وهذا هو شكر المنعم ولكن إذا نفت هذا فقد انتفى ما عدا الواجب والحرام من الأحكام بالتبع.
(