للعبد لا يمنع من كون الفعل المكلف به العبد مختارا ومقدورا له والعبد متمكن من فعله ومن تركه فلذلك جاز تكليفه به، ألا ترى أن العبد من مبدأ تصوره للفعل والتردد في كونه ملائما له أو غير ملائم إلى أن يصدق ويجزم ويذعن بالملاءمة وإن في الفعل مصلحة كان في هذا الإثناء متمكنا من الفعل والترك وإنما وجب صدوره بالعزم المصمم عليه واعتقاده المصلحة في الفعل بإرادة الله تعالى وقدرته فكان العبد مختارا في أفعاله الاختيارية وقادرا عليها وكيف يعقل غير هذا والاختيار والاضطرار ضدان لا يجتمعان وكل منهما يساوي نقيض الآخر فلا يرفع الاختيار إلا وقوع ضده المساوي لنقيضه والفرق بين الحركة الاختيارية كحركة اليد للبطش مثلا والحركة الاضطرارية كحركة الارتعاش بديهي عند العقل فكان القول بأن العبد في أفعلاه الاختيارية مختار ظاهرا مجبور باطنا قولا باطلا مخالفا لبداهة العقل ومن هذا تعلم أن المراد بالداعية التي هي العزم المصمم عليه هو إرادة العبد عند إذعانه بملاءمة ما أراده وميله إليه ومثل الداعية قدرة العبد المقارنة وقد مثل بهما الإمام السبكي وأما القدرة بمعنى سلامة الأعضاء والآلات وهي القدرة الممكنة فهي شرط وجوب لا شرط وجود كما يؤخذ من كلام الإمام السبكي وتكلمه ولده تاج الدين، وإن أردت أوسع من هذا فعليك بكتابنا القول المفيد في التوحيد فاحرص على هذا فإنه ينفعك في إيمانك بالتكاليف وما يترتب عليها ثوابا وعقابا ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولذلك قال الأسنوي بخلاف الداعية ونحوها فإن عدم القدرة عليها لا يمنع التكليف وإلا لم يتحقق التكليف البتة فكل شرط للتكليف الناجز لا بد أن يكون مقدورا للمكلف إلا ما قلناه ا هـ وإنما قال للوجوب الناجز أي الواقع بالفعل للإشارة إلى ما قدمناه من أن الكلام في الواجب وقوعا لا جوازا.
(