فقال لي - وهو يبتسم - : كلامي لهذا بحضرتهم أنفع لهم من كلامي لهم .
فقال الحاضرون : صدق .
فأقبل الشافعي عليه ، فقال له : ألست تزعم أن الحجة هي الإجماع ؟
قال ابن علية : نعم .
فقال الشافعي : خبرني عن خبر الواحد العدل أبإجماع دفعته أم بغير إجماع ؟
فانقطع ابن علية ، ولم يجب ، وسر القوم بذلك " (1)
وقد جرت مناظرة بين الشافعي ومحمد بن الحسن (2) ، فقد قال محمد بن الحسن للشافعي : ما تقول في رجل غصب ساحة وبنى عليها جدارا ، وأنفق عليها ألف دينار ، فجاء صاحب الساحة وأقام شاهدين على أنها ملكه ؟
فقال الشافعي : أقول لصاحب الساحة ترضى أن تأخذ قيمتها ؟ فإن رضي ، وإلا قلعت البناء ودفعت ساحته إليه .
قال محمد : فما تقول في رجل غصب لوحا من خشب فأدخله في سفينة ، ووصلت السفينة إلى لجة البحر ، فأتى صاحب اللوح بشاهدين عدلين ، أكنت تنزع اللوح من السفينة ؟
قال : لا .
قال : الله أكبر ، تركت قولك ، ثم قال : ما تقول في رجل غصب خيطا من إبرسيم (3) فمزق بطنه ، فخاط بذلك الإبرسيم تلك الجراحة ، فجاء صاحب الخيط بشاهدين عدلين أن هذا الخيط مغصوب ، أكنت تنزع الخيط من بطنه ؟
قال : لا .
قال محمد : الله أكبر ، تركت قولك ، وقال أصحابه : تركت قولك .
قال الشافعي : لا تعجلوا ، أرأيت لو كان اللوح لوح نفسه ، ثم أراد أن ينزع ذلك اللوح من السفينة حال كونها في لجة البحر ، أمباح له ذلك أم محرم ؟
قال : بل محرم .
(1) - تاريخ بغداد ( 6 / 20 ) بتصرف يسير
(2) - هو محمد بن الحسن بن واقد الشيباني ، صاحب الإمام أبي حنيفة ، عالم فاضل فقيه ، وله مصنفات ، ولد سنة 132 هـ ، وتوفي سنة 189 هـ ، انظر وفيات الأعيان ( 4 / 184 ، 185 ) ، أحمد بن محمد بن خلكان ، تحقيق إحسان عباس ، دار صادر ، بيروت .
(3) - هو البرسام ، بكسر الباء ، وهو معرب ، انظر لسان العرب مادة برسم