ولما بدأت قوات الجيش المصري الرسمية تتقدم إلى فلسطين عرضت على "أحمد عبد العزيز" العمل تحت قيادتها، فتردد في قبول العرض، واحتج بأنه يعمل مع جماعات المتطوعين الذين لا يلتزمون بالأوضاع العسكرية التي يلتزم بها الجيش النظامي، ثم قَبِلَ في آخر الأمر أن يتولى مهمة الدفاع عن منطقة "بئر السبع" ولا يتجاوزها شمالا؛ وبذلك يتولى عبء حماية ميمنة الجيش المصري والدفاع عن مدخل فلسطين الشرقي.
ولما وصل "أحمد عبد العزيز" إلى "بئر السبع" اتخذها مقرا له، وبدأ في توزيع قواته على المنطقة المحيطة بها، فاحتلت "العوجة" و"العسلوج"، ثم اتجه على رأس قوة من قواته مُدعما بمتطوعي "جماعة الإخوان المسلمين" إلى "بيت لحم" للدفاع عنها وعن مدينة الخليل أمام هجمات العصابات اليهودية التي اتخذت من مستعمرة "رامات راحيل" مركزا للهجوم، وكانت تقع على ربوة عالية تمكن المدافعين عنها من مراقبة تحركات القوات العربية الموجودة في "بيت لحم"، وكان الجيش الأردني مسؤولا عن الدفاع عنها.
ولتأمين مدينة "بيت لحم" كان ينبغي اقتحام هذه المستعمرة، وتكررت محاولات "أحمد عبد العزيز" للاستيلاء عليها حتى كلَّل الله عمله بالنجاح بعد هجوم كثيف وتضحيات كبيرة، فوقعت في قبضته في (17 من رجب 1367 هـ = 26 من مايو 1948 م).
قبول الهدنة
وفي الوقت الذي كان فيه المجاهدون يوجهون ضربات موجعة لليهود ومستعمراتهم قبِلَت الحكومات العربية التي تشارك بجيوشها في فلسطين قرار الهدنة، ووقف إطلاق النار لمدة أربعة أسابيع تبدأ من (13 شعبان 1367 هـ = 11 من يونيو 1948 م)، وجاء قبول الهدنة ليزيد القضية الفلسطينية تعقيدا؛ حيث مكَّنت الهدنة اليهود من جلب الأسلحة الثقيلة وإدخال سلاح الطيران، واحتلال قرى ومدن جديدة، على حين كانت القوات العربية ينقصها العتاد والسلاح والقيادة الصالحة، وتفتقد الحزم والانضباط.
وكان يمكن للدول العربية -لو أرادت- أن تمدّ المجاهدين في فلسطين بالعتاد والسلاح والمال والمتطوعين قبل انتهاء الانتداب البريطاني، وكان هذا يكفي لأن يحول دون تمكين اليهود من وضع أيديهم على البلاد؛ فإن المجاهدين هناك قاوموا الانتداب البريطاني واليهود معا سنين عديدة من قبل، ولو أنهم لقوا العون من الدول العربية دون إعلانها الحرب لكان هذا كافيا لمنع اليهود من إنشاء دولتهم.
استغل "أحمد عبد العزيز" فترة الهدنة في جمع قواته وحشدها في "بيت لحم"، وتحصين المدينة وإقامة خط دفاعي حولها.
استشهاد البطل
وبعد انتهاء الهدنة الأولى عادت الاشتباكات مرة أخرى، ونشط الفدائيون والمتطوعون وكتائب الجيش لضرب اليهود ضربات قاصمة، ولم يستمر ذلك طويلا؛ فقد أُعيدت الهدنة مرة أخرى في (1 من رمضان 1367 هـ = 8 من يوليو 1948 م)، وعلى الرغم من ذلك فإن اليهود لم يلتزموا بقرار الهدنة؛ فكانوا يخرقونها بعمليات عسكرية ما دامت في صالحهم.
وفي (16 من شوال 1367 هـ = 22 من أغسطس 1948 م) دُعي "أحمد عبد العزيز" لحضور اجتماع في "دار القنصلية البريطانية" بالقدس لبحث خرق اليهود للهدنة، وحاول اليهود معه أن يتنازل لهم عن بعض المواقع التي في قبضة الفدائيين، لكنه رفض، وأصر على الاحتفاظ بها.
وفي مساء اليوم نفسه اتجه إلى "غزة" حيث مقر قيادة الجيش المصري؛ لينقل إلى قادته ما دار في الاجتماع؛ فكانت منطقة "عراق المنشية" مستهدفة من اليهود يستغلون ظلام الليل للهجوم عليها، فكانت ترابط بها كتيبة عسكرية لديها أوامر بضرب كل عربة تمر في ظلام الليل؛ فلما اقتربت سيارة "أحمد عبد العزيز" من تلك المنطقة ظنها أحد الحراس من سيارات العدو، فأطلق عليها الرصاص، فأصابت إحداها "أحمد عبد العزيز" فاستُشهد في الحال، واستقبل الناس خبر استشهاده بكل أسى وحزن وخسرت ميادين الجهاد في فلسطين قائدًا عظيما ومجاهدا مؤمنا.