تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد وفاة "هارون الرشيد" -سنة (194 هـ = 807 م) - حدث نزاع حول الخلافة بين ابنيه: "الأمين" و"المأمون"، وتصاعد الخلاف إلى حد الحرب والاقتتال، وفي ظل تلك الأجواء المشحونة بالقتال والصراع، وجد "طاهر بن الحسين" طريقه إلى تحقيق حلمه الكبير في الاستقلال بخراسان حينما استطاع إلحاق الهزيمة بـ"علي بن عيسى" قائد جيش "الأمين"، فبالرغم من تفوق جيش "علي بن عيسى" في العدة والعتاد فإن "طاهر" استطاع بخبرته العسكرية وقيادته الواعية أن يقود جيشه إلى النصر، محطمًا صلف وغرور "علي بن عيسى" وثقته المفرطة في قوته وقدراته.

وأسرعت رسل "طاهر بن الحسين" لتزف إلى "المأمون" بشرى ذلك الانتصار، حاملة معها كتاب "طاهر" إليه ورأس "علي بن عيسى".

وعندما علم "الأمين" بهزيمة جيشه ومقتل قائد جنده، أرسل إلى "طاهر" يتوعده ويهدده، ولكن "طاهر" لم يبال بتهديده، فأرسل إليه الأمين جيشًا آخر بقيادة "عبد الرحمن بن جبلة"، ولكن "طاهر" تمكن بخبرته ومهارته من إلحاق الهزيمة به والاستيلاء على "الأهواز"، فأرسل "الأمين" إليه جيشين آخرين لدحره وهزيمته، وفي هذه المرة يلجأ "طاهر" إلى المكيدة والحرب النفسية، حيث احتال حتى يوقع الخلاف والشقاق بين الجنود، وتمكن -في النهاية- من السيطرة على الموقف وتحقيق النصر.

وأدت تلك الانتصارات المتتالية التي حققها "طاهر" إلى خروج عمال "الأمين" عن طاعته، والمسارعة إلى خلعه وإعلان الطاعة لأخيه، واتجه "طاهر" بجيوشه إلى "بغداد" فحاصرها مدة طويلة حتى ضاق الناس واشتد الجوع، فلما تمكن من دخولها قبض على "الأمين" ثم أمر بقتله.

بداية ولاية الطاهريين على خراسان

واستقر الأمر للمأمون بالخلافة -سنة (198 هـ = 813 م) - فأسند إلى "طاهر" ولاية "خراسان" وبقية ولايات المشرق، وولّى ابنه "عبد الله" على "الرقة" وعهد إليه بحرب "نصر بن شبث" القائد العربي الذي خرج على العباسيين لتقريبهم العجم.

فلما توفى "طاهر" -سنة (207 هـ = 822 م) - عهد "المأمون" إلى "عبد الله بن طاهر" بولاية "خراسان" خلفًا لأبيه، فاستخلف "عبد الله" عليها أخاه "طلحة"، فاستمر عليها حتى توفي بعد سبع سنين.

واستطاع "عبد الله" أن يدفع "نصر بن شبث" إلى الاستسلام -سنة (209 هـ = 824 م) - بعد أن وعده بالأمان، فقضى بذلك على واحدة من أخطر حركات التمرد والعصيان التي واجهت العباسيين.

عبد الله بن طاهر في مصر

وبعد ذلك اتجه "عبد الله" بجيشه إلى "مصر" التي كانت تموج بالفتن والاضطرابات بعد تمرد ولاتها على سلطان العباسيين، فزحف إليها بجيشه -سنة (211 هـ = 826 م) - وأرسل إلى "عهد بن السري" -والي مصر- يدعوه إلى السمع والطاعة للخليفة "المأمون"، ولكن "ابن السري" حاول رشوته بهدية كبيرة، أرسلها إليه خفية، فردها "عبد الله"، وكتب إليه يقول: "لو قبلت هديتك نهارًا لقبلتها ليلاً .. بل أنتم بهديتكم تفرحون".

ولم يجد "ابن السري" بدًا من الاستسلام، فاستسلم له في (5 من صفر 211 هـ = 17 من مايو 826 م)، ودخلها "عبد الله" واليًا عليها.

وقد شهدت فترة ولاية "عبد الله بن طاهر" على مصر -بالرغم من قصرها- استقرارًا وازدهارًا ملحوظًا في مختلف نواحي الحياة؛ فقد أعاد الأمن والهدوء إلى البلاد بعد أن تمكن من القضاء على الفوضى والاضطراب، كما شهدت العديد من مظاهر العمران، فقد أدخل "عبد الله" زيادات وتحسينات ملموسة في بناء الجامع العتيق بالفسطاط -"جامع عمرو بن العاص"- وزاد من عدد أبوابه، ودعم جدرانه، ورقّم مبانيه.

وحفلت كذلك ببعض مظاهر الإصلاح الاقتصادي، وتجلى ذلك في الاهتمام بتحسين أحوال الناس، والارتقاء بظروفهم المعيشية، كما اهتم بتطوير الزراعة .. ومما يذكر له أنه أول من أدخل زراعة البطيخ "العبدلي" الجيد -نسبة إلى "عبد الله"- بمصر.

بعض المعاصرين · الصفحة ٣٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٣٢٠