شيوخه وأساتذته
يذكر المؤرخون أن ابن سيده أخذ عن صاعد البغدادي الوافد على الأندلس من المشرق، وكان من العارفين باللغة وفنون الأدب والأخبار، وتتلمذ على أبي عمر أحمد بن محمد الطلمنكي المتوفى سنة 428 هـ = 1036 م، وكان إماما في القراءات، ثقة في رواية اللغة، مفسرا محدثا، مشهورا بالورع ومحاربة البدع.
وقد درس ابن سيده ما كان شائعا في عصره وما يتفق مع حالته، فعني بعلوم اللغة والدين، ونهل منهما بالقدر الذي كانت تسعفه به ذاكرته الجبارة، حتى وصفه معاصروه بأنه كان حافظا لم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب، كما توفر على علوم الحكمة والمنطق حتى وصفه صاعد اللغوي بأنه من حُذّاق المنطق، وقال فيه ابن قاضي شهبة في طبقاته: "ومن وقف على خطبة كتاب المُحْكَم علم أنه من أرباب العلوم العقلية، وكتب خطبة كتاب في اللغة إنما تصلح أن تكون خطبة لكتاب الشفاء لابن سينا".
ابن سِيدَهْ في بلاط مجاهد العامري
كانت الفترة التي عايشها ابن سيده فترة قلق وصراع على السلطة بعد وفاة المنصور بن أبي العامر، وانتهاء دولة الأمويين في الأندلس سنة 428 هـ، وأسفر الصراع عن ظهور دول الطوائف واستقلال كل إمارة بأمير يتولى أمرها، وكان من نصيب مدينة دانية في شرقي الأندلس أن استقل بحكمها مجاهد بن عبد الله العامري، وكان من أصحاب الهمة العالية، محبا للعلم وأهله؛ فقصده العلماء والفقهاء يلقون في كنفه كل رعاية وتقدير، فقصده ابن سيده وانقطع له، وألف له أعظم كتبه: المخصص والمحكم.
مؤلفات ابن سِيدَه
ترك ابن سيده مؤلفات كثيرة وصل إلينا بعضها، وفُقد بعضها الآخر، أو لا يزال مطمورا في دور الكتب والمحفوظات لم تمتد إليه يد البحث، ومن الكتب الغائبة التي تذكرها المصادر التي ترجمت له: الأنيق في ستة مجلدات، وهو شرح لديوان الحماسة لأبي تمام، وشرح إصلاح المنطق لابن السِّكّيت، والوافي في علم القوافي، وله كتاب شاذ اللغة في خمسة مجلدات، وكتاب في التذكير والتأنيث.
وأما ما وصل إلينا من مؤلفات ابن سيده فثلاثة هي: المشكل من شعر المتنبي، والمحكم والمحيط الأعظم، والمخصص. والكتابان الأخيران هما اللذان طيّرا شهرة ابن سيده وجعلاه يتبوأ منزلة رفيعة بين صانعي المعاجم العربية، باعتباره واحدا من روادها العظام، وسنتناولها بشيء من التفصيل رغبة في الإفادة.
المحكم والمحيط الأعظم
وهو معجم عربي كبير ألفه ابن سِيدَه في إمارة مجاهد بن عبد الله العامري، والتزم في ترتيب مواده الترتيب الذي اخترعه الخليل بن أحمد في معجمه العين، وكانت طريقته تقوم على ترتيب الحروف تبعا لمخارجها مبتعدا بالأعمق في الحلق، ومنتهيا بما يخرج من الشفتين فاستقام له الترتيب التالي: ع ح هـ خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ذ ث ر ل ن ف ب م و ي ا ء، وسمى كل حرف منها كتابا، مع تقسيم كل كتاب إلى أبواب حسب أبنية الألفاظ من حيث كونها ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية، والأخذ بمبدأ التقاليب، فمثلا حرف العين الذي استهل به معجمه يمكن أن يتغير موضعه في البناء الثنائي مرتين، فيأتي أول البناء الثنائي أو ثانيه، وفي البناء الثلاثي يمكن أن يكون العين في أوله أو ثانيه أو ثالثه، وفي البناء الرباعي يكون أربعا، وفي الخماسي يكون خمسا، فإذا كان الحرف الثاني مع العين في البناء الثنائي باء، فإنه لا يمكن أن يأتي منهما إلا صورتان هما عب وبع، فإذا كانت العين في البناء الثلاثي ومعها حرفان كالباء والدال، أمكن أن يأتي منها ست صور هي: عبد بعد بدع عدب، دعب، دبع، وترتفع هذه الصور في البناء الرباعي إلى 24 صورة، وفي الخماسي إلى 120 صورة.
وقد أراد ابن سِيده أن يجمع في كتابه ما تشتت من المواد اللغوية في الكتب والرسائل وتصحيح ما ورد فيها من أخطاء وربط اللغة بالقرآن والحديث، مع العناية بالتنظيم والاختصار في ترتيب المواد كتقديم المجرد على المزيد والمفرد على الجمع وتحاشي التكرار، وبذلك خطا ابن سيده بمناهج تأليف المعاجم خطوة مفيدة إلى الأمام، غير أن طريقة هذه المعاجم في ترتيب موادها كانت تلقى صعوبة في الكشف والاستخدام، الأمر الذي أدى إلى ظهور مدارس أخرى في المعاجم لتيسير البحث في الكشف عن المواد اللغوية، حتى استقرت إلى ما هو متبع الآن في المعاجم الحديثة مثل المعجم الوسيط.