تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد بذل المؤلف جهدًا مشكورًا في وضع كتابه، مستعينًا بكتابه "نجوم القرآن في أطراف القرآن" للمستشرق الألماني فلوجل، الذي طبع لأول مرة سنة (1258 هـ= 1842 م)، مراجعًا ما يجمعه على معاجم اللغة وتفاسير الأئمة اللغويين، عارضًا ما يجمعه على الثقات من أصدقائه من علماء اللغة، حتى إذا اطمأن إلى عمله دفعة إلى دار الكتب المصرية، فأجازت نشره بعد أن شكلت لجنة لذلك، فخرج في أحسن صورة وأبهى حلة.

وجاء عمله مكتملاً، لم يستدرك عليه أحد من العلماء سقطًا في معجمه، من فرط مبالغته في المراجعة وحرصه الدائب على الدقة، وشاء الله أن يكون هذا المعجم خاليًا من الخطأ؛ لأنه يقوم على كتابه، ويعين الباحثين في الوصول إلى آية، وقد تلقت الأمة هذا العمل بالقبول، ورزقه الله الذيوع، فلم تخل منه مكتبة لعظم فائدته.

حياة صائم الدهر

ولم يكن لمثل هذه الأعمال العظيمة أن ترى النور لو لم يكن وراءها صبر شديد، وعزيمة قوية، ودقة متناهية، وحياة منضبطة، وتوحيد للهدف، وتجرد وإخلاص، وهكذا كانت حياة الرجل، وأترك لابنة أخيه الكاتبة الأديبة اللامعة نعمات أحمد تصور حياة عمها بقولها:

"وحياة الرجل الخاصة تدخل في باب الغرائب، فنحن نسميه صائم الدهر، فكان يصوم الدهر كله لا يفطر فيه إلا يومين اثنين هما أول أيام عيد الفطر، وأول أيام عيد الأضحى، وطعامه نباتي، وكان يصوم بغير سحور .. أي أنه يتناول وجبه واحدة كل 24 ساعة، وكان محافظًا في كل شيء، فزيه يتكون من البدلة الكاملة صيفًا وشتاءً .. وكان زاهدًا في الاجتماعات والتعارف، يفسر هذا وكأنه يعتذر: إن التعرف إلى الناس، تقوم تبعًا له حقوق لهم والتزامات واجبة الرعاية والوفاء، وليس عندي وقت لهذا، ولا أنا أطيق التقصير فيه لو لزمتني".

أطال الله في عمر محمد فؤاد عبد الباقي حتى بلغ العقد التاسع، لكنه ظل متمتعًا بصحة موفورة، ونشاط لا يعرف الكلل، وحياة منتظمه أعانته في إنتاج الأعمال التي يحتاج إنجازها إلى فريق من الباحثين، وبارك الله فيما كتب، فانتشرت كتبه شرقًا وغربًا، وعم الانتفاع بها، وظل يؤدي رسالته حتى لقي ربه في سنة (1388 هـ = 1967 م).

مصادر الترجمة:

- نعمات أحمد فؤاد - محمد فؤاد عبد الباقي صاحب فهارس القرآن والحديث - مجلة العربي - العدد (118) - السنة 1968 م.

- خير الدين الزركلي - الإعلام - دار العلم للملايين - بيروت - 1986 م.

- مجمع اللغة العربية - محاضر الجلسات في الدورة العاشرة (1943 - 1944 م) - القاهرة 1970.

- فنسنك - مقدمته للمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي - ليدن - 1936 م.

ابن سِيدَهْ وصناعة المعاجم العربية

(في ذكرى وفاته: 26 ربيع الآخر 458 هـ)

أحمد تمام

غلاف كتاب المخصص

كانت مدينة مرسية التي تقع في شرقي الأندلس تموج بحركة علمية زاهرة، وتنتشر فيها حلقات العلم التي يتصدرها أئمة أعلام، ويقصدها طلاب العلم ومحبو الثقافة والمعرفة، وكانت تنثر في تلك الحلقات مسائل الفقه وقضايا اللغة والأدب، أو تختص بإقراء القرآن ورواية الحديث.

مولد ابن سِيدَهْ ونشأته

استقبلت مدينة مرسية مولد علي بن إسماعيل سنة 398 هـ = 1007 م، ونشأ في بيت علم، فكان أبوه معلما للغة والنحو، فتعهد ابنه بالرعاية والتعليم، وشاءت الأقدار أن يكون الطفل ضريرا مثل أبيه، لكن الله رزقه حافظة لاقطة وذهنا متوقدا، وذكاء حادا، عوض فقدان البصر.

ولم تطل الحياة بأبيه، فتوفي وترك ابنه صغيرا لم يحصل شيئا ذا بال، لكن همة الصغير الناشئ سمت على اليتم وفقد العائل، فتردد على حلقات العلم ينهل منها بشغف لا يقف عند حد، حتى إن أبا عمر الطلمنكي حين دخل مرسية أراد أهلها أن يسمعوا عليه كتاب "الغريب المصنف" لأبي عبيد القاسم بن سلام وهو من كتب اللغة التي تُعنى بالغريب فقال لهم: انظروا من يقرأ لكم، وأمسك أنا كتابي، فأتوه بابن سِيده، فقرأ عليه من حفظه الكتاب كله من أوله إلى آخره.

بعض المعاصرين · الصفحة ٣٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٣٠٠