ابن الأثير .. صاحب "الكامل" في التاريخ
(في ذكرى ميلاده: 4 من جمادى الأولى 555 هـ)
أحمد تمام
غلاف كتاب الكامل في التاريخ
كانوا ثلاثة إخوة، برزوا في علوم اللغة والأدب والتاريخ والحديث والفقه، واشتهر كل واحد منهم بـ"ابن الأثير"، وهم جميعا من أبناء بلدة "جزيرة ابن عمر" التابعة للموصل، وكان أبوهم من أعيان هذه البلدة وأثريائها، أما أكبرهم فهو مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد، فقيه محدث، اشتغل بدراسة القرآن والحديث والنحو حتى صار علما بارزا، وترك مؤلفات عظيمة أشهرها: "جامع الأصول في أحاديث الرسول" جمع فيه الكتب الصِّحَاح الستة، وتوفي سنة (606 هـ= 1209 م).
وأما أصغرهم فهو ضياء الدين أبو الفتح نصر الله، المعروف بضياء الدين بن الأثير، الكاتب الأديب، أتقن صنعة الكتابة، واشتهر بها بجودة أسلوبه وجمال بيانه، التحق بخدمة صلاح الدين وأبنائه في حلب ودمشق، وترك مصنفات أدبية قيّمة، أشهرها: "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، وهو من أهم الكتب التي تعالج فن الكتابة وطرق التعبير، وتوفي سنة (637 هـ= 1239 م).
أما أوسطهم فهو عز الدين بن الأثير المؤرخ الكبير، وهو موضع حديثنا.
المولد والنشأة
ولد علي بن أبي الكرم محمد بن محمد المعروف بعز الدين بن الأثير في (4 من جمادى الآخرة سنة 555 هـ= 13 من مايو 1160 م) بجزيرة ابن عمر، وعني أبوه بتعليمه، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم استكمل دراسته بالموصل بعد أن انتقلت إليها أسرته، وأقامت بها إقامة دائمة، فسمع الحديث من أبي الفضل عبد الله بن أحمد، وأبي الفرج يحيى الثقفي، وتردد على حلقات العلم التي كانت تُعقد في مساجد الموصل ومدارسها، وكان ينتهز فرصة خروجه إلى الحج، فيعرج على بغداد ليسمع من شيوخها الكبار، من أمثال أبي القاسم يعيش بن صدقة الفقيه الشافعي، وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي الصدمي. ورحل إلى الشام وسمع من شيوخها، ثم عاد إلى الموصل ولزم بيته منقطعا للتأليف والتصنيف.
ثقافته
في رحلته الطويلة لطلب العلم وملاقاة الشيوخ، والأخذ منهم، درس ابن الأثير الحديث والفقه والأصول والفرائض والمنطق والقراءات؛ لأن هذه العلوم كان يجيدها الأساتذة المبرزون ممن لقيهم ابن الأثير، غير أنه اختار فرعين من العلوم وتعمق في دراستهما هما: الحديث والتاريخ، حتى أصبح إماما في حفظ الحديث ومعرفته وما يتعلق به، حافظا للتواريخ المتقدمة والمتأخرة، خبيرا بأنساب العرب وأيامهم وأحبارهم، عارفًا بالرجال وأنسابهم لا سيما الصحابة.
وعن طريق هذين العلمين بنى ابن الأثير شهرته في عصره، وإن غلبت صفة المؤرخ عليه حتى كادت تحجب ما سواها. والعلاقة بين التخصصين وثيقة جدا؛ فمنذ أن بدأ التدوين ومعظم المحدثين العظام مؤرخون كبار، خذ مثلا الإمام الطبري، فهو يجمع بين التفسير والفقه والتاريخ، والإمام الذهبي كان حافظا متقنا، وفي الوقت نفسه كان مؤرخا عظيما، وكذلك كان الحافظ ابن عساكر بين هاتين الصفتين ... والأمثلة كثيرة يصعب حصرها.
مؤلفاته
وقد توافرت لابن الأثير المادة التاريخية التي استعان بها في مصنفاته، بفضل صلته الوثيقة بحكام الموصل، وأسفاره العديدة في طلب العلم، وقيامه ببعض المهام السياسية الرسمية من قبل صاحب الموصل، ومصاحبته صلاح الدين في غزواته -وهو ما يسر له وصف المعارك كما شاهدها- ومدارسته الكتب وإفادته منها، ودأبه على القراءة والتحصيل، ثم عكف على تلك المادة الهائلة التي تجمعت لديه يصيغها ويهذبها ويرتب أحداثها حتى انتظمت في أربعة مؤلفات، جعلت منه أبرز المؤرخين المسلمين بعد الطبري وهذه المؤلفات هي:
-الكامل في التاريخ، وهو في التاريخ العام.
-والتاريخ الباهر في الدولة الأتابكية، وهو في تاريخ الدول، ويقصد بالدولة الأتابكية الدولة التي أسسها عماد الدين زنكي في الموصل سنة (521 هـ = 1127 م) وهي الدولة التي عاش في كنفها ابن الأثير.