وهو وفي لشيوخه ومعلميه كثير الدعاء لهم إذا استشهد بواحد منهم أو عرض لذكراه، فإذا كانوا من الأحياء دعا لهم بمثل قوله: أطال الله في الخير بقاءهم"، وإذا كان أحدهم من الأموات قال: "برَّد الله مضجعه" أو "طيَّب الله ثراه".
وعلاقته بشيخه محمود محمد شاكر مثال نادر للوفاء يقدمه تلميذ لشيخه، فكان دائم الثناء عليه، ذاكرًا له في كل موضع، معترفًا بفضله، حريصًا على حضور مجلسه الأسبوعي في منزله في يوم الجمعة مهما كانت الشواغل، وكان الطناحي لا يترك مناسبة إلا ذكر الناس بفضل شيخه وقيمته في الثقافة العربية، يقول عنه في أحد المواضع من كتابه "مدخل إلى تاريخ نشر التراث": "كيف أكتب عنك أيها الشيخ الجليل، ومن أين أبدأ، وكيف أمضي وإلى أين أنتهي؟ فالحديث عنك إنما هو عن تاريخ هذه الأمة العربية: عقيدة ولغة وفكرًا ورجالاً .. ومعذرة ثم معذرة شيخي أبا فهر إذ أكتب عنك بهذه الوجازة التي تراها .. ثم معذرة من بابة أخرى، وهو أن كثيرًا مما ستقرؤه إن شاء الله منتزع من كلامك، مدلول عليه بفكرك، فأنا إنما أكتب عنك بك، وأتقدم إليك بسابق فضلك وموصول علمك ... ".
وهو مع تلاميذه كأحدهم ولكن في وقار، يأنس بهم ويعاونهم ويشجعهم على طلب العلم، ويفتح لهم مغاليق العلم، وكانت روحه دائمة الشباب، لا تستشعر إذا جالسته أنك أمام عالم تخطى الستين من عمره.
وبعد وفاة محمود محمد شاكر تطلع الناس إلى تلميذه الوفي ليكون خليفته ويواصل مسيرته في خدمة التراث العربي، لكن الموت لم يمهله فاختطفه فجأة وهو في أتم صحة وعافية في (6 من ذي الحجة 1419 هـ = 23 من مارس 1999 م).
* من مصادر الدراسة:
- محمود علي مكي - محمود محمد الطناحي أديبًا ومحققًا - مجلة الهلال - العام السابع بعد المائة - مايو 1999 م.
- أيمن فؤاد السيد - محمود محمد الطناحي عالم التراث والمحقق الموسوعي - مجلة الهلال - العام السابع بعد المائة - يونيو 1999 م.
- عبد الله حمد محارب - الطناحي ورحلته مع التراث العربي - مجلة العربي - العدد (491) - أكتوبر - 1999 م.
- محمود محمد الطناحي - مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي - مكتبة الخانجي - القاهرة - 1984 م.
علي الخفيف .. ملامح من مسيرة فقيه
(في ذكرى وفاته: 6 من شعبان 1398 هـ)
إعداد: أحمد تمام
كان الشيخ الجليل "علي الخفيف" واسع الاطلاع في الفقه، بصيرًا بالعربية وآدابها، حاذق الرأي فيما يعرض له من مسائل الخلاف في الفقه الإسلامي، قادرًا على النظر في المعضلات التي ترهق عقول الفقهاء، له جهد متواصل في التعريف بفضل السلف العظيم من فقهاء الشريعة، وعقد مقارنة بين آرائهم الصائبة، وما انتهى إليه المُشرِّعون وعلماء القانون الوضعي، وعُرف الشيخ بشغفه الدائب بإبراز المبادئ الأساسية السامية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية الغرَّاء، وقبولها للتطور وصلاحيتها لتنظيم شؤون الناس، ولا شيء يحول بين الفقيه والاجتهاد ما دام قد ملك أدواته، وتهيأ له العقل البصير والتفكير العميق.
المولد والنشأة
في بلدة "الشهداء" التابعة لمحافظة المنوفية بمصر وُلد "علي الخفيف" سنة (1309 هـ= 1891 م)، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالأزهر الشريف بالقاهرة سنة (1321 هـ= 1903 م)، وظل به ثلاث سنوات، ثم التحق سنة (1325 هـ=1907 م) بمعهد "الإسكندري" الديني الذي افتُتح ليكون رافدًا من روافد الأزهر، لكنه لم يمكث به سوى بضعة أشهر عاد بعدها إلى القاهرة؛ ليلتحق بمدرسة القضاء الشرعي، وهي المدرسة التي أنشأها عاطف بركات؛ لتجمع بين القديم والجديد، وتُلائم بين الماضي والحاضر، وظل بالمدرسة حتى تخرج فيها سنة (1334 هـ= 1915 م)، ولما كان في طليعة المتخرجين فقد عُيِّن مدرسًا بها.