وهو إن قلّد القدماء وحاكاهم في أغراضهم وطريقة عرضهم للموضوعات وفي أسلوبهم وفي معانيهم، فإن له مع ذلك تجديدًا ملموسًا من حيث التعبير عن شعوره وإحساسه، وله معان جديدة وصور مبتكرة.
وقد نظم الشعر في كل أغراضه المعروفة من غزل ومديح وفخر وهجاء ورثاء، مرتسمًا نهج الشعر العربي القديم، غير أن شخصيته كانت واضحة في كل ما نظم؛ فهو الضابط الشجاع، والثائر على الظلم، والمغترب عن الوطن، والزوج الحاني، والأب الشفيق، والصديق الوفي.
وترك ديوان شعر يزيد عدد أبياته على خمسة آلاف بيت، طبع في أربعة مجلدات، وقصيدة طويلة عارض بها البوصيري، أطلق عليها "كشف الغمة"، وله أيضًا "قيد الأوابد" وهو كتاب نثري سجل فيه خواطره ورسائله بأسلوب مسجوع، و"مختارات البارودي" وهي مجموعة انتخبها الشاعر من شعر ثلاثين شاعرًا من فحول الشعر العباسي، يبلغ نحو 40 ألف بيت.
وفاته
بعد عودته إلى القاهرة ترك العمل السياسي، وفتح بيته للأدباء والشعراء، يستمع إليهم، ويسمعون منه، وكان على رأسهم شوقي وحافظ ومطران، وإسماعيل صبري، وقد تأثروا به ونسجوا على منواله، فخطوا بالشعر خطوات واسعة، وأُطلق عليهم "مدرسة النهضة" أو "مدرسة الأحياء".
ولم تطل الحياة بالبارودي بعد رجوعه، فلقي ربه في (4 من شوال 1322 هـ = 12 من ديسمبر 1904 م).
استمع:
••قصيدة "هل من طبيب لداء الحب أو راقي؟ " للبارودي
من مصادر الدراسة:
- محمود سامي البارودي- ديوان البارودي- تحقيق علي الجارم ومحمد شفيق معروف- الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة (1992).
- نفوسة زكريا- البارودي حياته وشعره- القاهرة (1992).
- علي الحديدي- محمود سامي البارودي شاعر النهضة- مكتبة الأنجلو المصرية- القاهرة (1969 م).
- شوقي ضيف - البارودي رائد الشعر الحديث - دار المعارف - القاهرة (1988 م).
عمر الدسوقي - في الأدب الحديث - دار الفكر العربي - القاهرة - (1948 م).____
المحرم | صفر | ربيع الأول | ربيع الآخر | جمادى الأولى | جمادى الآخرة | رجب | شعبان | رمضان | شوال | ذو القعدة | ذو الحجة____
شفيق غربال .. وصناعة المؤرخين __
__
__ (في ذكرى وفاته: 9 من جمادى الأولى 1381 هـ) ___أحمد تمام ____ __محمد شفيق غربال __في كل مجال أناس يدركون أن صناعة البشر أعرض أثرا وأبقى ذكرا من تأليف وصناعة الكتب .. وطريقهم إلى ذلك هو طبع فكرهم وأسلوبهم ومنهجهم في عقول وأفئدة التلاميذ الذين ينشرون هذا الفكر وذلك الأسلوب، ويفخرون بأنهم من تلاميذهم ...
ومحمد شفيق غربال واحد من هؤلاء الذين اهتموا بصناعة التلاميذ، وتأسيس المنهج وتعبيد الطريق لمن بعده .. وكان تلاميذه يفخرون ويتباهون بالتلمذة على يديه، ويعدون ذلك أفضل مسوغات قبولهم.
لم يكن غربال أول أستاذ للتاريخ الحديث يعمل في الجامعة المصرية؛ فقد سبقه آخرون، مصريون وأجانب، لكنه كان أول من أسس مدرسة تاريخية لدراسة تاريخ مصر الحديث، كان هو رائدها والموجه لها.
وعني شفيق غربال بتلاميذه عن نفسه، فقل بسبب ذلك نتاجه العلمي في الوقت الذي زاد تأثيره في تلاميذه الذين وجههم إلى دراسة جوانب مختلفة من تاريخ مصر الحديث، وكان شديد الصرامة فيما يتصل بالبحث التاريخي، ولا يقبل من تلاميذه إلا أجود الأعمال، وكانت تمر السنوات الطوال في جامعة القاهرة ولا تناقش رسالة يشرف عليها شفيق غربال من فرط تدقيقه في أعمال تلاميذه.
ولم تكن هذه الصرامة العلمية إلا دليل حب لتلاميذه؛ لأنه يريد أن يرتقي بهم في ميدان البحث العلمي وأن يحققوا ما كان يتمناه لنفسه، وشغل بتأليف التلاميذ عن تأليف الكتب.
وعلى الرغم من انشغاله في ميادين مختلفة فإن مجلسه العلمي الذي كان يعقده كل أسبوع لمتابعة أعمال تلاميذه لم ينقطع، وكان يواليهم ويوجههم إلى آفاق رحيبة، ويسألهم عما يقرءون، ونشأ عن ذلك جيل من المؤرخين المصريين عرفوا بنهمهم وعمق نتاجهم العلمي، هذا الجيل كان الواحد منهم يفخر بأنه من تلاميذ شفيق غربال؛ لأن ذلك كان يعني الدقة والتميز، فيا لها من تلمذة أعظم من أستاذية.