وقد توفي الشيخ الصواف رحمه الله تعالى يوم الجمعة الموافق (13 من ربيع الآخر سنة 1413 هـ= 11 من أكتوبر 1992 م) في مطار إستانبول؛ حيث كان ينتظر الطائرة التي ستقله إلى مكة المكرمة، وقد نقل جثمانه ودفن في مقابر المعلاة بمكة بجوار قبر الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
أهم المصادر والمراجع:
- محمد المجدوب - علماء ومفكرون عرفتهم - دار الاعتصام - القاهرة - 1986.
- عبد الله العقيل - من أعلام الحركة والدعوة الإسلامية المعاصرة - مكتبة المنار الإسلامية - الكويت - 1422 هـ- 2001 م.
- محمد حيدر رمضان - تتمة الأعلام للزركلي - دار ابن حزم - بيروت - 1418 هـ = 1998 م.
محمود شاكر - التاريخ الإسلامي "بلاد العراق" - المكتب الإسلامي - دمشق - الطبعة الأولى - 1412 هـ = 1992 م. __
البارودي .. رب السيف والقلم __ (في ذكرى عودته من منفاه 6 من جمادى الأولى 1317 هـ) ___سمير حلبي ____ __محمود سامي باشا البارودي__ظل الشعر العربي ردحًا من الزمن في حالة من الضعف والوهن، يرسف في أغلال الصنعة اللفظية، ويخلو من المعاني الصادقة، والأخيلة المبتكرة، حتى إذا بدأ "محمد علي" نهضته الشاملة، أصاب الشعر العربي شيء من الحركة والنشاط، ودبت فيه الحياة واسترد بعضًا من عافيته، غير أنها لم تكن كافية لإعادة مجده القديم بقسماته وملامحه الزاهية، منتظرًا من يأخذ بيده إلى الآفاق الرحيبة والخيال البديع واللغة السمحة، والبيان الفخيم، وكان البارودي على موعد مع القدر، فجاء ليبث في حركة الشعر روح الحياة، ويعيد لها بعضًا من المجد التليد، بفضل موهبته الفذة، وسلامة ذوقه، واتساع ثقافته، وعمق تجاربه، ونبل فروسيته.
المولد والنشأة
ولد محمود سامي البارودي بالقاهرة في (27 من رجب 1255 هـ = 6 من أكتوبر 1839 م) لأبوين من الجراكسة، وجاءت شهرته بالبارودي نسبة إلى بلدة "إيتاي البارود" التابعة لمحافظة البحيرة بمصر، وكان أحد أجداده ملتزمًا لها ويجمع الضرائب من أهلها.
نشأ البارودي في أسرة على شيء من الثراء والسلطان، فأبوه كان ضابطًا في الجيش المصري برتبة لواء، وعُين مديرًا لمدينتي "بربر" و"دنقلة" في السودان، ومات هناك، وكان ابنه محمود سامي حينئذ في السابعة من عمره.
تلقى البارودي دروسه الأولى في بيته، فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ النحو والصرف، ودرس شيئًا من الفقه والتاريخ والحساب، ثم التحق وهو في الثانية عشرة من عمره بالمدرسة الحربية سنة (1268 هـ = 1852 م)، وفي هذه الفترة بدأ يظهر شغفًا بالشعر العربي وشعرائه الفحول، وبعد أربع سنوات من الدراسة تخرّج برتبة "باشجاويش" ثم سافر إلى إستانبول مقر الخلافة العثمانية، والتحق بوزارة الخارجية، وتمكن في أثناء إقامته من إتقان التركية والفارسية ومطالعة آدابهما، وحفظ كثيرًا من أشعارهما، ودعته سليقته الشعرية المتوهجة إلى نظم الشعر بهما كما ينظم بالعربية، ولما سافر الخديوي إسماعيل إلى العاصمة العثمانية بعد توليه العرش ليقدم آيات الشكر للخلافة، ألحق البارودي بحاشيته، فعاد إلى مصر بعد غيبة طويلة امتددت ثماني سنوات، ولم يلبث أن حنّ البارودي إلى حياة الجندية، فترك معية الخديوي إلى الجيش برتبة بكباشي.
حياة الجندية
وفي أثناء عمله بالجيش اشترك في الحملة العسكرية التي خرجت سنة (1282 هـ = 1865 م) لمساندة جيش الخلافة العثمانية في إخماد الفتنة التي نشبت في جزيرة "كريت"، وهناك أبلى البارودي بلاء حسنًا، وجرى الشعر على لسانه يتغنى ببلده الذي فارقه، ويصف جانبًا من الحرب التي خاض غمارها، في رائعة من روائعه الخالدة التي مطلعها:
أخذ الكرى بمعاقد الأجفان_وهفا السرى بأعنة الفرسان__والليل منشور الذوائب ضارب_فوق المتالع والربا بجران__لا تستبين العين في ظلماته_إلا اشتعال أسِنَّة المران__ (الكرى: النوم، هفا: أسرع، السرى: السير ليلاً، المتالع: التلال، ضارب بجران: يقصد أن الليل يعم الكون ظلامه).