ثم عاد إلى الحجاز سنة 1345 هـ مرة أخرى، ومر بالشيخ رشيد رضا بمصر فكتب معه كتاباً للملك عبد العزيز رحمه الله يشير عليه بإقامة الشيخ تقي الدين لديه، فأراد الملك رحمه الله أن يوليه الإمامة في المسجد النبوي ولكنه اشترط أن يؤدي الصلاة على نحو عشر تسبيحات في الركوع والسجود فاعتبر ذلك تطويلاً، فعين مراقباً للدروس في الحرم النبوي، وعين زميله الشيخ عبد الرزاق حمزة إماماً (انظر: ترجمته)، ولكن الشيخ عبد الرزاق كان ينيبه عنه في بعض الصلوات، خاصة في صلاة الصبح.
ومكث سنتين بالمدينة المنورة، ثم وقع نزاع بينه وبين أمير المدينة آنذاك، فسافر إلى مكة مدرساً في المعهد السعودي ـ وهو معهد ثانوي ديني ـ وكان سبب النزاع هو الاختلاف في أسلوب الدعوة وتغيير المنكر بين الشدة واللين.
ثم سافر إلى الهند بدعوة السيد الندوي، ومكث ثلاث سنوات، ثم رجع إلى العراق، ومن ثم سافر إلى أوربا؛ لتحصيل شهادة رسمية عالية بجانب شهادته القروية من جامع القيروان.
فسافر إلى جنيف، ولقي الأمير شكيب أرسلان، فتوصل إلى التدريس في جامعة (بون) محاضرات في اللغة العربية، ودرس حتى نال شهادة دكتوراه سنة 1940 م.
ثم سافر إلى المغرب ومكث حتى انتهت الحرب، فرجع إلى العراق وعمل أستاذاً في جامعة بغداد إلى قيام ثورة عبد الكريم قاسم، فهرب منها إلى ألمانيا، ومنها إلى المغرب فعين مدرساً في جامعة الملك محمد الخامس ثم دعي إلى المدينة المنورة للتدريس في الجامعة الإسلامية ابتداء من سنة 1388 هـ فكان مدرساً وعضواً في المجلس الإداري.
------------------------
المصدر:
"التراويح أكثر من مائة عام في مسجد النبي عليه السلام" ـ عطية محمد سالم ص 112 ـ 115.
50*لقاء شبكة أنا المسلم مع الشيخ المحدث عبد القادر الأرناؤوط
فضيلة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، نبذة موجزة عن حياتكم وبداية طلبكم للعلم منذ قدومكم إلى دمشق وحتى الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإني أنا العبد الفقير إلى الله تعالى العلي القدير عبد القادر الأرناؤوط، أصل ولادتي في كوسوفا، وجئت مع والدي إلى دمشق وأنا صغير السن، كان عمري ثلاث سنوات تقريبا فقط، وطبعا في السنة الأولى تعلمنا شيئا من اللغة العربية، ثم دخلت مدرسة ابتدائية، وكان هناك مدرسة اسمها: مدرسة الأدب الإسلامي، وكان مديرها الشيخ أمين الحنفي؛ توفي منذ زمن رحمه الله، ولكن درست فيها سنة واحدة، ثم نقلوني إلى مدرسة أخرى ابتدائية اسمها مدرسة الإسعاف الخيري، فدرست فيها إلى الصف الخامس، وكان في ذلك الوقت الذي يتخرج من الصف الخامس يأخذ شهادة ابتدائية كانوا يسمونها (سرتفيكا) باللغة الفرنسية، فأنا ما أخذت شهادات مدرسية ولا درست دراسة أكاديمية، وإنما أخذت هذه الشهادة الابتدائية فقط.
لكن في ذلك الوقت كان عندنا شيخ في المدرسة الابتدائية، رجل أصله من المغرب اسمه الشيخ صبحي العطار، كان يعلمنا القرآن الكريم وتجويده، ويعلمنا الفقه، فاستفاد منه كثير من الناس، وأنا في جملة من استفاد منه، رحمه الله.
بعد ذلك اشتغلت عند رجل كان أزهريا في الأصل؛ درس في الأزهر وتخرج من الأزهر، وجاء إلى الشام، أصله من التلّ: الشيخ سعيد الأحمر رحمه الله، فكان يشتغل ساعاتيا قريبا من الجامع الأُموي، بمنطقة اسمها المسكيّة، وكان كلها مكتبات، وفيها بعض دكاكين الساعتية، فوالدي رحمه الله لا يعرف اللغة العربية، لمّا رأى هذا الشيخ بعمامة بيضاء ولحية سوداء وجبة، وهو يشتغل ساعاتي، قال له: هل تشغل هذا الولد عندك؟ فقال له: من أين أنت؟ فقال: من كوسوفا، يعني في يوغوسلافيا. فقال له: قد جاءني رجل من حرستا وعرض عليّ خمس ليرات ذهبية عثمانية على أن أعلم ولده، وأبيت، ومع ذلك باعتبار أنك غريب وولدك غريب؛ دعه عندي، وإن شاء الله سأعلمه هذه الصنعة.