وأراني متمثلاً قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الحديث الصحيح: (من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا فقولوا: جزاك الله خيرًا).
ايها الإخوة الأكارم:
منذ أن تبلغت خبر اقتراح أن أكون من المكرمين وهو شرف أعتز به، كنت أفكر في أمرين:
الأول: من أنا حتى أكون من هذه الفئة المُكْرَمَة والمكرِّمة؟! ووجدت الجواب:
إن الكريم يضع كرمَهُ حيث شاء!!.
والثاني: بماذا أُقدم نفسي إليكم: وما عساي أن أقول عن نفسي .. وتاريخي .. وعملي .. فوجدتُني راقمًا ترجمةً ذاتية موجزة أكشف فيها عن جوانب من سيرتي ومسيرتي في حقل العلم والدعوة، وعمل ما رجوت به نفع أمتي، فإذا قبلتم بها كان تفضلكم هذا تابعًا لفضلكم القديم ـ يوم اقترحتموني ـ وإلا فبعد انتهاء هذا الاحتفال الحافل قولوا: كان تكريمنا لزهير من باب (ولا يشقى بهم جليسهم).
وإذا أقلتموني منه فلن تجدوا مني سوى الرضى والتسليم. وحسبي أنني جلست بينكم على كرسي الامتحان، وهو شرف بحد ذاته، وما كل من يرشَّحُ يَنْجَحُ!!.
اسمي: محمد زهير (ومحمد اسم تشريف يقدم على أكثر الاسماء في بلدنا) وعرفت بـ: زهير الشاويش، ووالدي مصطفى بن أحمد الشاويش، من الذين كانوا يتعاطون التجارة، في عدد من الأقطار العربية، وحالتنا كانت فوق المتوسطة من الناحية الاجتماعية والمادية.
ووالدتي زينب بنت سعيد رحمون (وفي بعض بلادنا أَنَفةٌ من ذكر اسم الأم والزوجة والبنت) ووالدها من الوسط نفسه الذي منه أهلي.
وعندنا أوراق وحجج تثبت أننا من نسل الحسين بن علي الهاشمي (والناس أمناء على أنسابهم).
ولدت في دمشق سنة 1344 من الهجرة 1925 ميلادية، ولا أجد ضرورة لذكر مفاخر بلدي دمشق، فهي أشهر من أن يُنَوه بها أبقاها الله ذخرًا للإسلام، وحصنًا وملاذًا للعرب والمسلمين.
ولكن اسمحوا لي أن أتحدث عن حي الميدان الذي أنا من وسطه بكلمات والإنسان ابن بيأته ـ كما هو ابن أهله وعشيرته ـ.
الميدان هو الحي الجنوبي لمدينة دمشق، وكان مجموعة قرى متفرقة، وساحات واسعة، ومنازل مشتتة ضمن البساتين ... وعند كل مدخل زقاق قبر يدعى أنه لصحابي، أو عالم، أو ولي ـ ولا شك أن بعضها ثابت ـ وأما طريقنا السلطاني الواسع فيبدأ من باب الجابية .. وينتهي ببوابة الله. لأنه طريق الحج إلى بيت الله الحرام، وزيارة مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ.
وأصبح الميدان شبه قرية كبيرة لا سور لها، ولكنها منعزلة عن المدينة دمشق، ومفارقة لما حولها من قرى ومضارب العشائر، وطرق التجارة.
وفي الميدان أبناء عشائر توطنت أيام الفتوحات وقبلها، وكنا نعرف العصبية اليمانية والقيسية حتى عهد قريب، ونعرف حيَّ عقيل وقهوةَ (العكيل) من سكان نجد، وعلى الاخصِّ أهل القصيم .. كما عندنا حارة المغاربة وخان المغاربة ممن هاجر إلينا من كل بلاد المغرب.
الحياة العلمية:
وفي الميدان تجمعات علمية وخلقية وخصوصيات وميزات متأصلة فيه، وهي باقية حتى اليوم ـ والحمد لله ـ (وأنا أتكلم عما كان أيام طفولتي وقبلها بقليل من الزمن).
فالفقه الشائع بين أبناء الشعب كافة كان فقه الإمام الشافعي .. مع وجود آثار يراها المتتبع من بقايا الحنبلية والظاهرية في المعتقد والفقه.
وأما السلفية فلم تنقطع عنا، منذ أن كان مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية قرب بيتنا، ويسمى مسجد القرشي. وبيته في المدرسة السكرية قبيل بداية الحي في باب الجابية، وما يتداوله الخلف عن السلف من أخبار أمره بالمعروف، وشجاعته في كل المواطن وجهاده، وما قام به الشيخ ابن عروة الحنبلي الميداني في جمع تراث السلف في كتابه الموسوعي الكبير النادر (الكواكب الدرية) وأدخل فيه العشرات من مؤلفات شيخ الإسلام.
وجور الحكام حاف علينا في أوقات كثيرة .. حتى كانت نهضة الشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ عبد الرزاق البيطار، والعلامة بهجة البيطار، وكلكم يعرف فضله، ومعهم أفراد غمرهم الجحود .. ومنهم الشيخ سعيد الحافظ، والشيخ محمد بدر الدين الفقيه المصري، رحم الله الجميع.