صاحب رسالة
لم يكن شاكر في يوم من الأيام موظفا يمد يده نهاية كل شهر إلى مرتب ينتظره فتكون للحكومة كلمة نافذة في رزقه ومكانته، بل انقطع لعلمه وفكره ومكتبته وبحثه ودرسه وزملائه وتلاميذه كالراهب الذي انقطع للعبادة في صومعته.
وعاش على أقل القليل يكفيه ويسد حاجته، ومرت عليه سنوات عجاف لكنه لم ينحن أو يميل على الرغم من أن بيته كان مفتوحا لتلاميذه وأصدقائه وعارفي فضله.
ولم يكن له من مورد سوى عائده من كتبه التي كان يقوم بتحقيقها، وكان اسمه على صدرها يضمن لها النجاح والرواج، ولم يكن يأخذ شيئا على مقالاته التي يكتبها، فأعاد لمجلة العربي الكويتية سنة 1982 م مائة وخمسين دولارا نظير مقالة كتبها ردا على الكاتب اليمني عبد العزيز المقالح حول طه حسين، ورفض أن يتسلم من دار الهلال مكافأته عن تأليفه كتابه المهم "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا".
ولأنه كان يشعر أنه صاحب رسالة فإنه كان ينتفض حين يرى انتهاك حرمة من حرمات اللغة العربية فيقف مدافعا عنها بكل ما يملك من أدوات علمية وفكرية، تجعل الخصم يسلم بما يقول أو يلوي هاربا. ومعاركه كلها جمعت في كتب وصارت وثائق في تاريخنا الفكري الحديث، كتبها هو من موقع المدافع والحارس لثقافة الأمة، ولولا خصومه لما ظهرت معظم مؤلفاته؛ لأنها كانت استجابة لتحديات عظيمة، وهي تظهر عظمة شاكر؛ لأنه لم يحتشد لها مثلما يحتشد المؤلفون عند تأليف كتبهم وإنما دخلها كارها مستندا إلى ثقافة واسعة وعلم غزير، وفكر ثاقب وروح وثابة، فأتى بالعجب العجاب.
وفي أخريات عمره رد له بعض الاعتبار، فنال جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة 1981 م، ثم جائزة الملك فيصل في الأدب العربي عام 1984 م، وفي أثناء ذلك اختير عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ثم بالقاهرة.
وبعد رحلة حياة عريضة رحل أبو فهر شيخ العربية وإمام المحققين في الساعة الخامسة من عصر الخميس الموافق 3 من ربيع الآخر 1418 هـ= 6 من أغسطس 1997 م) ولبى نداء ربه .. فسلام عليك أبا فهر.
التاريخ:18/ 09/1426 الموافق |القراء:159 | نسخة للطباعة
45*المسلم / ما زلتُُ أذكر خطيب جامع المربع، ذلك الحي الذي وُلِدتُ فيه ونشأتُ، كنتُ حينها أتردد وأنا غلامٌ صغير، لأحضر خطبة الجمعة، وكان خطيبنا آنذاك شيخٌ وقور، تزيِّنُ وجهَه الوضَّاءَ لحيةٌ بيضاءُ حسَنةٌ، إذا اعتلى المنبر ارتجل خطبةً عصماء، يهزُّ بها أركان الحي، حتى لتكاد تنخلع منها القلوب، ثم إذا أتيح لك الاقتراب منه بعد الخطبة، ومزاحمة الحشود للسلام عليه، لامتلأ قلبُك محبةً وتعظيماً له، فما هو إلا أن تراه، فتعرف أن وجهه ليس بوجهِ مدَّعٍ، ولأغناك أدناه عن أقصاه.
كان المسجد إذ ذاك يكتظُّ بالمصلين، حتى يضطر آخرهم إلى الصلاة في الرحبة، والشرفات، والقبو، وكان يجتمع عنده ثلةٌ من أهل العلم وطلابه، تعرف ذلك من هيئتهم وسمتهم.
علمتُ فيما بعد أن خطيبنا هو الفقيه الفذّ: عبد الله بن حسن بن قعود، ثم إنني ـ بحمد الله ـ تشرفتُ بالتعرف عليه عن قربٍ، والقراءةِ عليه، والتفقه به.
لقد كانت للشيخ مناقبُ كثيرةٌ، كانَ فارسَ منبر، قوَّالاً بالحق، قواماً لله، شريفَ النفس، صائناً للعلم عن الأغراض، غنياً عن أهل الدنيا، نظيفَ القلبِ واليدِ واللسانِ، زهد في الدنيا بعد قدرته عليها، ولو شاء لفعل.
لا أريد أن أفيض فيما هنالك، فالحديث ذو شجون، لكنني أودُّ الإشارة إلى مزية لدى الشيخ عرفتُها فيه، امتازَ بها عن كثيرٍ من معاصريه، ما خلا بقايا من الأفذاذ من أهل العلم هنا وهناك.
تلكم هي الموازنة بين الغيرة على الحق والانتصار له من جهة، وبين حسن الصلة مع الدعاة إلى الله على اختلاف توجهاتهم من جهةٍ أخرى، فقد كان ابن قعود سلفياً صُلبَ القناة، ومع هذا فقد كان محباً لكل داعيةٍ ناصح، ولو خالفه في بعضِ الأمر.