يمكن أن نوجز جلّ ما اتّصف به الأفغاني، وذلك من خلال ما ثقفته في كتابات تلامذته فيه، وقد وقف تلميذه الدكتور محمد الصباغ [48] على معظم صفاته.
كان الأفغاني رحمه الله على مستوى خلقي رفيع، يأخذ نفسه بمكارم الأخلاق، صادق الوعد دقيقاً فيه، عفّ اللسان، يتذوّق النكتة المهذبة من غير إسفاف، ولا يستريح لنظام الاختلاط في التدريس الجامعي.
وكان جريئًا في الحق لا يخشى فيه لومة لائم، وله مواقف محمودة في مقاومة الانتداب الفرنسي والمتعاونين معه، ونصيرًا لدعاة الإسلام الذين يثق بهم. وهو مثل أعلى في الاستقامة، ما تغيّر له نهج، ولا تلوّن له فكر، وما جامل أحدًا في أمر لا يريده، وكانت له بصيرة سديدة في معرفة الرجال لا ينخدع بمظاهرهم، ويتجاوز في تقويمه لهم المظاهر إلى الأعماق، لذلك قَصَر علاقته مع الناس على من يثق بدينهم واستقامتهم وفكرهم، فيعرف لكلّ منهم قدره، ويفرّق بين الحكم على الرجل وذكر تفوّقه العلمي.
وكان يخاف الله ويرعى حدوده، ويحرص على صلاة الجماعة، وينفق نصيبًا من دخله في سبيل الله مخفيًا ذلك عن كلّ من حوله، ويبتعد عن المحرّمات والشبهات في تعاملاته المادّية، بل ينكر على من يتساهل فيها من الناس خصوصًا إذا كانت له سمعة دينيّة.
وكان كما يقول الأستاذ زهير في مقالته السالفة رجلاً نادرًا في خلقه وأدبه، مستقيمًا على الجادّة في تعامله وحياته، صلبًا في عقيدته ومنهجه، متمسّكًا بفهم السلف الصالح، ملتزمًا بالدّليل في عبادته وفقهه، آخذًا بالأحوط فيما يشتبه من أموره.
وقد وصفه تلامذته في الملحق الذي أصدره اتحاد كتّاب العرب بدمشق، بأنّه كان "من سدنة العربيّة في عصرنا "، " صارمًا في شؤونها "، " حاطت به هالة العلماء "، و" جمع الفخر من طرفيه: الجهاد الأكبر (العلمي) والنضال الأمثل (التعليمي) "، فغدا " مَعْلمًا من معالم دراسة العربيّة "، و " أشهر من نار على علم "، " لم ينهر سائلاً ولم يردّ مستفهمًا "، ويحرص على تحدّث الفصحى في المحاضرات والمناظرات والمساجلات.
وفاته:
نعى الأستاذ زهير الشاويش مدير المكتب الإسلامي للنشر والتوزيع في بيروت الأستاذ سعيد الأفغاني رحمه الله يوم الثلاثاء العاشر من شوال سنة 1417 هـ الموافق للثامن عشر من شباط سنة 1997 م في مكة المكرمة عن عمر قارب الثمانية والثّمانين عاماً، وبذلك يكون رحمة الله قد حط عصا ترحاله بعد رحلة طويلة، كان فيها مع لغة القران خادماً حميماً ولها معلماً رؤوفًا، وبها باحثاً صدوقاً، " لقي وجه ربه قرير العين؛ لأنه حقق أُمنيتين: أن يدفن في هذا البلد الأمين، وأن يصلّى عليه في الحرم المكّي الشريف " [49]. ولمّا كان أبعد ما يكون رحمه الله عن المظاهر والرّياء، فقد رغب أن " تشيّع جنازته بتواضع دون صخب أو ضجيج " [50].
رحل الرجل الذي كان شيخًا في صنعته منهجًا وسلوكًا، وفقدت العربية برحيله ابنًا بارًّا بها، قلّ أن تجد مثله نظيرًا، يقول الشيخ علي الطنطاوي رفيق دربه وعديله [51]: " لقد أحسست بوفاته وكأنني فقدت قلبي أو بعض قواي، ولا أدري ما قيمة حياتي بعده "، وكان الشيخ مصطفى الزرقا قد وصفه بالرسوخ في العلم [52].
وقد رثاه تلميذه الدكتور علي العتوم (من الأردن) أستاذ الأدب الجاهلي في جامعة اليرموك بقصيدة داليّة طويلة (كلّ الممالك) تعدّ مقامة في سيرته وشمائله، بلغت (120) بيتًا على بحر (الكامل)، نشرها بخطّ يده في صحيفة اللواء الأسبوعية [53]، عدّد فيها مناقب الأستاذ ومآثره.
ثانيًا: أعماله وآثارُه
نوجز فيما يأتي ثبتًا بمؤلّفات فقيدنا رحمه الله والكتب التي عُني بتحقيقها، وبحوثِه ومقالاتِه ومداخلاتِه وقراءاتِه للكتب ونقدها. وأشير إلى أنّني لم أقف على مسمّيات بعض المواد الآتية: