تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكي يحافظ هذا النظام القائم على فعاليته كان عليه أن يعمل بعمق من أجل تفتيت كل ما يشكل الهوية الجماعية التي يراها عوائق لنظام التبادل. ولكي تفقد الشعوب في كل مكان والتي عرفت بمجموعات من رجال ونساء وأولاد يجمعهم ببعض ثقافة مشتركة تعمل فعلاً على تضامنهم لكي تفقد هذه الشعوب في كل مكان ردود فعلها الجماعية المغروسة في ذاكرة مجتمعها كان يكفي أن نحولها لكتلة أي إلى كومة مكدسة من الأفراد اللامبالين دون تميزيه ودون ثقافة ذاتية عديمي الجنسية مستهلكين في نظام التبادل مدعوين إلى الأداء الوظيفي داخل بنية محكومة فقط بالقوانين الاقتصادية. هذا المشروع لإقامة الكتل وصل إلى إقامة قانون الغاب وحرب الجميع ضد الجميع التي تشجع كسب الثروات وتنتصر لقانون الأقوى والأسرع والأقل تردداً والأكثر مكيدة والأكثر تسلحاً بعقلية الكسب والأكثر أنانية وذلك عن طريق إزاحة المنافس واحتكار السلطات واستغلال المنتجين المستهلكين. كل هذا يمر عبر تدمير النخب القادرة أن تقود سياسياً وتضيء ثقافياً الشعب. ويتم مثل هذا التدمير بشكل أكثر فعالية عندما تكون الطبقة المالكة تمسك بعصب هذه الحرب ألا وهو المال.

المعركة المقصود فيها هنا هي مواجهة بين الإنسان الاقتصادي الذي نذر نفسه لإله التجارة والمال والذي قرر أن يجعل من الكون سوقاً واسعة لا حدود لها والرجل المثقف الذي يرى أن سؤال سقراط: من أكون؟ هو السؤال الجوهري. إن منع الأفراد من طرح هذا السؤال أو عند طرحه نمنعهم من الإجابة عليه خارج الطريقة المخطط لها ذات الوجه الواحد والتي تم تكليفها، هذا المنع شكل القضية التي شغلت منذ الأزل الأنظمة الاستبدادية. وبشكل منطقي كان على الاستبدادية الليبرالية أن تنذر نفسها من أجل ذلك.

أمريكا المستبدة · الصفحة ٢٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أمريكا المستبدةص ٢٢٠