وهكذا فإن المناورات التي هدفت إلى فرض أيديولوجيتها ثم احتكار وسائل نشرها (أي الأيولوجية) قد بدأت بشكل جدي منذ نهاية الصراع العالمي الأخير. لقد فهمت الولايات المتحدة الأمريكية منذ البداية بأن الفوز بالعقول يمر بهذا الإلغاء لهوية الآخرين وهو ما يسمى بالمثاقفة واتسبدالها بهوية جماعية قيمة بنظرهم والتي بالطبع هي هويتهم. ولكي يصبح العالم أمريكياً يجب أولاً أن نقنع الآخرين بتفوق النموذج الأمريكي على ما سواه، بعد ذلك كان يجب شن حملات هجومية ضد كل ما يمكن أن يشكل تهديداً له.وبمساعدة مجموعة أصحاب المصالح الاقتصادية وأصحاب الثروات العالمي استطاع الأمريكيون الهجوم على أساسين لهوية الشعوب: الإرث الجماعي والأداة الثقافية والعاطفية التي تتيح للفرد إمكانية التفكير والحكم واتخاذ القرار.
إن الإرث الجماعي للشعب هو لغته وتاريخه ونبوغه ومكتسباته الفنية والأدبية والعلمية والقافية وتقاليده أيضاً التي تشتمل على نظام القيم لأي مجموعة بشرية والذي يتضمن سماته(1) الثقافية وعاداته وتقاليده وتراثه وطريقة لبسه وغذائه وأسلوب عمله ولهوه وتصوره طرق تسليته وحبه وموته والأداة تتكون من تصوراته التحليلية والاستنتاجية والجمالية وحساسيته وتفهمه التي تقوده إلى فهم شامل للعالم وإلى تطبيق عملي لتفكيره ولقراره أي في نهاية المطاف إلى اختيار اتجاهاته لممارسة أفعاله. وعند تزوير إدراك شعب ما لإرثه بإبعاد هذا الإرث شيئاً فشيئاً وإبداله بإرث مختلف عن طريق صناعة عادات وهيكليات تفسيرية نابعة من مصدر أيديولوجي غريب نكون بهذه الطريقة قد قمنا باستلاب روح هذا الشعب وتحويله إلى قطيع.
(1) الوحدة الدنيا للمعنى الثقافي غير الظاهرة، أي ضمنية وغير مدركة كما في علم الدلالة حيث أن السمات للغات الطبيعة لا تظهر في البنية اللغوية المستخدمة وتسمى بالوحدات الدنيا للمعنى.