تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد أن خرجت أوروبا (التي برزت للوجود على أثر سقوط روما) من حال الانحطاط حيث غرقت فيه نتيجة اختفاء أروع نموذج تنظيمي في تاريخها وضعت نفسها تحت تأثير الكنيسة في نوع من النظام الاجتماعي الذي ذكرنا بالنظام اليوناني القديم. كان تسلسل الطبقات خلال العصر الوسيط بدءاً من طبقة الأسياد وصولاً لطبقة العبيد يشجع مع تقوقعه في نظامه الاجتماعي العلاقات بين طبقات الشعب والتي تقوم على نوع من تبادل الخدمات ومجموعة من القيم التي تستبعد الشراكة الحقيقية، تبادل ذو طابع اقتصادي فقط على طريقة ما يسمى بخذ وهات الذي سيجد فيما بعد استتباباً مع النهوض القوي لبورجوازية المدن. هذه الأخيرة التي كانت تقوم على مرجعيات تجارية وطيدة عملت ما في وسعها لإقامة نهج مزدوج: الأول أيديولوجي بطبيعته لم يكن يعترف بأي تنظيم اجتماعي إلا بذلك الذي كان يناسب شركاء الاقتصاد والذي كان بالقول كما بالهدف يعتمد فقط على منطق الربح. والثاني ولأنه مرتبط بالأول كان يعتبر من الطبيعي بأن الجري نحو الربح كالسياسة ينبعان من إرادة القوة، إن هذه الإرادة ليس لها معنى إلا أن تقوم على السلطة الناجمة عن حيازة الأملاك المادية والتي هي بلغة عصرنا تتلخص بهذا التأكيد: السلطة تعود لمن يملك المال. بدون أي اعتبار للطبقات المحرومة انخرطت البرجوازية منذ القرن الرابع عشر بالحوار مع السياسيين (الملوك – الأمراء – الأسياد – العائلات الكبرى الأرستقراطية) كتطوير للفكرة القائمة بأن السلطة قابلة للاقتسام. فإذاً لم تكن البرجوازية بعد التي تملك رأس المال قد حصلت مبدئياً على القوة السياسية إلا أن البرجوازيين كانوا يملكون بالمقابل القاعدة التي تقوم عليها هذه السياسة: القوة المالية. فبحسب وجهة نظر البرجوازية الصاعدة فإنه يحق فقط لمن يملك شيئاً (مال – عقارات – أراضي – سلطة سياسية) بأن يشترك في اتخاذ القرارات وهو المؤهل لكي تتعامل معه على قدم المساواة.

أمريكا المستبدة · الصفحة ٢٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أمريكا المستبدةص ٢٠٨