تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منذ القدم فهم أصحاب السلطة بأن التحكم فقط بالأدوات العسكرية والبوليسية والسياسية ليس كافياً لتأمين بقاء ديمومة هذه السلطة. حتى قبل أن يضع الفلاسفة في أثينا أيام سقراط وما بعده مفهوم الأيديولوجية أدركت طبقة الحكام ومؤيدوها أن ما يقود الشعوب يتشكل من مجموعة من المعتقدات والعادات الحاضرة في الأذهان على شكل صور حيث حلت معظم رموزها وتحولت لتقاليد. الوظيفة الأساسية لهذه التقاليد ولهذه الرموز تقوم على إقحام المعتقدات والعادات بالرؤوس من أجل أن تجعلها متناسبة مع الطاعة والولاء. لذلك وجدت باكراً فكرة أن الناس يولدون داخل مجموعة لها بالطبع بنية اجتماعية وعلى كل فرد فيها أن ينسج معها وبدت هذه الفكرة لدى أصحاب الامتيازات بأنها أحد المفاهيم الأولى التي يجب أن تصبح تقليداً. نتج عن ذلك تعزيز للمجتمع الذي أريد له أن يكون ما أمكن غير قابل للعزل مع إبعاد كل إرادة ولو ضعيفة للاعتراض على وضع النظام القائم.

على عكس اليونان حيث كان من النادر وصول الأحرار إلى مركز مهم في حكومة الحاضر, جعلت روما الذرائعية والمتسامحة من الليونة الاجتماعية مصدر لتجدد النخب التي كانت تضمن قوة الجمهورية وبعد ذلك قوة الإمبراطورية. وبعيداً عن فكرة أن كل ما ينبثق عن روما يعكس إرادة مجلس الشيوخ والشعب كانت المجموعة الأيديولوجية الرومانية على قدر كافي من الغموض لكي تسمح بالمرونة الاجتماعية فاتحة عدة ممرات بين الطبقات الاجتماعية.

أمريكا المستبدة · الصفحة ٢٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أمريكا المستبدةص ٢٠٦