وتكاثفت هذه الأفكار الغريبة، وانهدت متتابعة تغازل خيالي، وأنا أنظر إلى الحقول الممتدة على جانبي الطريق السريع، وقد هبطنا الجسر قبل أن نصل إلى سجن (أبي غريب) بقليل. وإذا أنا بصوتي ينقطع، والعبرات تجري على خدي كنهر جارف قد انهار سده..
وبكيت ما شاء لي البكاء أن أبكي... لقد كنت في تلك الدقائق كأني أنزح العبرات من قعر روحي المشتاقة الملتاعة. وسكت الأحباب إجلالا للموقف، ومشينا طويلاً صامتين.
نعم إنها بغداد.......!
بوارقُها هذي وهذي رعودُها……وتلكَ سرايا عزِّها وبنودُها
وتلك مضاميرٌ إلى المجدِ عُبِّدتْ……دماً كلما آلتْ لجدبٍ نزيدُها
وما بينَنا إلا مسافةُ نبضةٍ……من القلبِ ممدودٌ إليكِ وريدُها
وما بينَنا إلا تراتيلُ موعدٍٍ ……عليهِ المنايا تقشعرُّ جلودُها
أبا جعفرٍ فانظرْ لبغدادَ إنها ……عروس من الأمجادِ صارت برودُها
نعم إنها بغدادُ من ألفِ حَجةٍ……توالى عليها مجدُها وسُعودُها
نعم إنها ظلتْ مدى الدهرِ لبوةً……إذا زأرتْ تنفكُّ عنها قيودُها
نعم إنها بغدادُ للأرضِ محورٌ……ومرتكزٌ لو مالَ يوماً عمودُها
أبا جعفرٍ شيدتَها أنتَ مرةً……وفينا الذي في كلِّ يومٍ يَشيدُها
بوارقُها هذي وما مرَّها الردى……على موحشٍ إلا تناخى أُسودُها
يجيئون سيلاً كاسحَ المدِّ جارفاً……تضيقُ بهِ آفاقُها وصعيدُها
أبا جعفرٍ فانظرْ لبغدادَ إنها……إلى المجدِ يمشي كهلُها ووليدُها
لقد علمتَ جيلاً، وجيلٌ ستغتدي……مكارمُهُ مثلُ النجومِ عديدُها
نعم إنها الأبقى إذا ضجَّ حادثٌ……وإن معاليها عليها شهودُها
نعم إنها بغدادُ تاريخُها الهدى……وأقصى مجراتِ الشموسِ حدودُها
نعم إنها نبضُ الحضاراتِ، دونها……لما أثمرت يوماً وأخصبَ عودُها
هذه صور مجتزأة من هنا وهناك، أنقلها عسى أن أنقل القارئ إلى جو المحنة، والمشهد المروع للحالة التي كنا نمر بها تلك الأيام، والهزات العنيفة التي ساقتنا سوقاً لمراجعة الحساب.