في البدء كانت الجماعة وكانت السنة ولم تزل تعبيراً عن وحدة الأمة السياسية و الإعتقادية أو توقاً لها إن غابت، لم تكن متنا يقرأ أو بناء ذهنيا، ولكنها ضرورة استدعاها واقع الانقسام السياسي والفرقة المذهبية الذي اجتاح الأمة فكان لا بد لما كان بديهياً أن يعرف، فكان ما استقر عليه من مذهب أهل السنة والجماعة.
لم يكن ظهور "أهل السنة والجماعة" جزءاً من حركة تكون المذاهب والفرق الإعتقادية، بل جاء رداً عليها وتأكيداً على أن وحدة الأمة ما زالت حاضرة في وعي الجماعة المسلمة برغم واقع الانقسام والفرقة، وفاعلة بما يدفعها إلى العمل من أجل استعادة اللحظة التاريخية الأولى لتأسيس الأمة الواحدة، أي لحظة الوحدة السياسية والاعتقادية التي كانت على عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صاحب الرسالة والقائد المؤسس للأمة، وظل المفهوم ـ تاريخياً ـ عنواناً على رفض الفرقة والفتنة، الفرقة السياسية أو الفتنة المذهبية التي بدأت تدب في جسد الأمة.
عام الجماعة:
كانت البداية مع عام الجماعة (41 هجرياً) الذي تنازل فيه الحسن بن علي، عن حرب معاوية بن أبي سفيان الذي كان قد رفض مبايعة علي بن أبي طالب ـ رابع الخلفاء الراشدين ـ متذرعاً بأنه فرط في الثأر من قتلة عثمان بن عفان، رضي الله عنهم جميعاً.
بتنازل الحسن أصبح معاوية بن أبي سفيان خليفة للمسلمين، وأجتمع الأمر عليه بعد تفرق ليصبح العام "عام الجماعة" ويُعدُ من خرج عليه خارجاً عن "أهل الجماعة" في إشارة إلى استعادة الأمة وحدتها السياسية مجدداً بعد تفرق، فقد غلبت الأمة وحدتها على أي خلاف حول شرعية السلطة، على اعتبار أن الجماعة هي مصدر الشرعية، بل لا شرعية إلا من الجماعة، "فلا إسلام إلا بجماعة" كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ودون الجماعة تكون "الفتنة" لعن الله من أيقظها.