وصدورا من هذا الموقف.. وأيضا تسليما بحاجة المجتمع إلى سلطة عليا.. قال الشيعة بضرورة السلطة، أي بوجوب الإمامة.. وقالوا إن صلاح الدين والدنيا متوقف عليها، وإن استمرار الرسالة إلهية مرتبط بوجود الإمام، لأنه هو المعصوم وحده من دون الأمة، فهو المرجع المؤتمن في الدين، وكذلك في الدنيا.. ولما كانت الإمامة، على هذا النحو، هي ما يقرب الناس من الخير ويبعدهم عن الشر، إذن فهي "لطف" إلهي، كما كانت النبوة كذلك، فهي على النبوة تقاس، وليس ـ كما قال غيرهم ـ تقاس على منصب الحكام والولاة.. ولهذا وجدنا الإمامة واجبة عند الشيعة وجوبا عقليا، لا شرعيا، ووجوبها على الله سبحانه، لأنه هو مصدرها الأوحد، وليس وجوبها على البشر، لأنهم لا شأن لهم بها، فهي أمر من أمور السماء..
وقالت الشيعة: إن الإمامة أصل من أصول الدين، بل من أهم أصوله "فالإيمان لا يتم إلا بالاعتقاد بالإمامة"( )، وهي، مع الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، تكون فرائض الله الخمس( ).. وهي، مع المعرفة بصفات الله، والتصديق بالعدل والحكمة، والتصديق بالنبوة، والتصديق بالمعاد، تكون قواعد الإيمان والإسلام الخمسة( )..
وكما بلَّغ الرسول الدين عن ربه، وأشهد الناس على بلاغه، فإن الإمامة كانت مم بلًّغ عن ربه من أصول دينه،ومما أشهد الناس على بلاغه إياهم لها.. وفي هذا الباب يفسر الشيعة بعض المأثورات تفسيرا يختلف معهم فيه غيرهم، وينفردون هم برواية مأثورات أخرى:
1ـ فهم يستندون إلى "حديث الغدير" في أن الرسول قد أشهد الناس، عند "غدير خم"، وهو عائد من حجة الوداع، على أن علي بن أبي طالب هو الإمام من بعده، عندما خطب فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه".. لكن خصومهم ينكرون أن يكون المراد هو الإمامة والسلطة السياسية في المجتمع، لأن الموالاة هي "النصرة" و "المناصرة"، كما تشهد بذلك معاني ومواطن ورود هذا المصطلح في القرآن الكريم، وليست السياسة والسلطة العليا في المجتمع..