وهناك من الباحثين من هالتهم هذه الصورة، فبحثوا عن شخصية عبد الله بن سبأ هذا وعن نشاطه، وقاد هذا البحث البعض إلى إنكار وجود الشخصية كلية، ورأى أن مؤرخي السنة قد اخترعوها كي يعلقوا في عنقها الأحداث والصراعات والدماء التي سببها الصراع على السلطة، حتى تظل لصحابة رسول الله صورتهم المثلى والمثالية في النفوس!.. كما قاد هذا البحث البعض الآخر إلى التسليم بوجود هذه الشخصية، ولكن مع رفض المبالغة في الدور الذي لعبته في تلك الأحداث..( )
أما فيما يختص بموضوعنا، موضوع التأريخ لنشأة التشيع، فإن وجود ابن سبأ ـ على فرض التسليم بوجوده ـ وظهور آرائه، سواء على عهد عثمان أو عهد علي، لا يصلح دليلا على أن التشيع قد ظهر في ذلك التاريخ، فلم تنسب المصادر المعتمدة في التاريخ والفكر الإسلامي إلى ابن سبأ القول "بالنص والوصية"، بل نسبت إليه فقط القول " بتفضيل" عليّ على الصحابة، وتقديمه على أبي بكر وعمر وعثمان.. وحتى الشيعة أنفسهم لا يروون عنه شيئا من ذلك ـ بل وينكر أغلبهم وجوده.. فدعوى عبد الله بن سبأ ـ على فرض وجوده ووقوعها ـ "لم يكن من دعوى هشام بن الحكم بسبيل" كما يقول القاضي عبد الجبار، ومن هنا فإن عصره لا يصح أن يتخذ بدء التاريخ ظهور الشيعة والتشيع بالمعنى الفني والاصطلاحي المعروف.
ولما كانت الإمامة عند الشيعة قد أصبحت عقيدة دينية، بل أصلا من أهم أصول الدين، وقدمت صفتها تلك على صفتها السياسية... فإننا لا نستطيع أن نرى في "الحركات السياسية" التي قام بها الشيعة قبل عهد جعفر الصادق دليلا على وجود فرقة الشيعة بالمعنى الاصطلاحي الدقيق لأن هذه الحركات السياسية لم تقم على أساس قاعدة التشيع الأساسية، وهي "الوصية"، وإنما قامت على أساس أن الحسن أو الحسين أولى بإمارة المؤمنين من معاوية أو ابنه يزيد، أو على طلب الثأر للحسين تكفيرا عن ذنب خذلان أهل العراق له وقعودهم عن نصرته بعد أن بايعوه واستقدموه..