تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومثل هذه الخلجات النفسية التي تراود أنفس الدعاة القدماء وما يوازيها من خلجات أنفس الصاعدين الجدد كانت تجد نفسها في كثير من الأحيان في حالة ترقب المبادر مبدع يبدأ ترجمة الآمال إلى واقع وإلى وصايا،وإلى دراسات متخصصة، ونظرات متكاملة تتخذ لها من الثوابت حارساً، ومن طموحات مناهج الإبداع وسيلة لامتلاك قلوب جيل الصحوة، وحلمة على التفاعل مع هذه الطموحات، وإني لأجزم بأن الذي ينقص جيل الصحوة هو التوغل البعيد في دراسة المعاني الأصولية والتقعيد، وفي استلال التجارب ونقد الواقع والتاريخ، ثم في استعارة أنواع من القواعد الإدارية والتخطيطية من التراث العالمي، وتضيف ذلك في منهجية مرنة تمنح التربية الدعوية في المرحلة القادمة فائدة أكثر وتأثيراً أكبر، وتستطيع أن تجد للمعضلات السياسية والموازنات المصلحيّة تأويلا شمولياً ينتقل بالنظرات الفردية إلى صياغة موازين يتواطأ الدعاة على الاعتراف بها، ثم الالتزام بها وتحكميها، وجعلها أقرب إلى أن تكون ثوابت ملحقة بالثوابت الشرعية.

ومن الأمثلة الواضحة حالياً على حاجة الدّعاة لدراسات متعمقة متأنية عقلانية غير عاطفية فهمُ سلوكيّات الدعوة الإسلامية في العراق في مرحلة الاحتلال الأمريكي أمام حشد من المتناقضات التي تعج بها الساحة، فواضح أن العراق يعيش حالة انقسام مذهبي وقومي، وأن التيارات السياسية فيه عديدة ومتعادية بعنف أحياناً، وأن الطبيعة الثورية في السياسة العراقية جعلت لجوء الأطياف المتصارعة إلى استعمال السلاح والاغتيال أمراً مألوفاً، فوق ما هنالك من تأثيرات إقليمية من دول مجاورة تقدم نشاطات مخابراتها في الأرض مقام أحزاب، وأطياف تزيد الوضع إشكالاً وغموضاً وصراعاً، فمثل هذه الحالة المتشابكة لا يفهمها غير عراقي فهماً يستطيع أن ينافس فهم الداعية العراقي الذي يعمل في الساحة ويتعامل مع أشياء ومؤثرات لا تُكتب، ولا يُصرح بها يجهلها من هو خارج العراق.

الراصد 1 - ----59 · الصفحة ١٩٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الراصد 1 - ----59ص ١٩٦٢