صاحب الفتوى التي تناقلتها وسائل الأعلام يوم الجمعة الماضي (13/8) هو آية الله محمد حسين فضل الله، الذي كان قد أدان الحملات العسكرية الأمريكية على المدن العراقية الأخرى، واعتبرها "جريمة إنسانية". ولان المراجع لا يلقون الكلام على عواهنه، فقد لاحظت في تصريحاته تفاوتاً في تقييم الانتهاكات الأمريكية. إذ في حين اعتبر اجتياح النجف "الأشراف" إثماً وعدواناً على المقدس، استحق إطلاق تحريم التعامل مع مرتكبيه، فانه صنف استباحة المدن الأخرى بحسبانها "جريمة إنسانية" وسياسية تستحق الإدانة والتنديد فقط. وهذا الاختلاف مفهوم، باعتبار القداسة التي تتمتع بها النجف في الوجدان الشيعي، من جراء احتوائها على رفات الإمام علي بن ابي طالب. وهو موقف ربما كان مقبولا إذا كان الاختلاف الذي نحن بصدده في الدرجة وليس في النوع، بمعنى آن تضفي القداسة على كرامة البشر الذين يسكنون الوطن بكل مدنه، ثم يكون لتلك القداسة موقعاً متميزاً فيها يتعلق ببعض الأماكن نظراً لخصوصيتها في إطار المذهب. من ثم فليس لنا اعتراض على تشديد الحكم فيما يتعلق بالنجف الأشراف، وانما تحفظنا على عدم شمول المدن العراقية الأخرى بذلك التشديد.
ولست اخفي أنني في ذلك انطلق من المفهوم الشرعي الذي يشدد في الدفاع عن ديار الإسلام كافة إذا ما تعرضت للغزو والاحتلال، ويعلي في الوقت ذاته من شأن كرامة الانسان المنصوص عليها صراحة في القرآن، ومن ثم يضفي قداسة على تلك الكرامة، ويقدمها على أي مكان مهما كانت قيمته. واذكر هنا بما سبق أن أشرت إليه في سياق آخر حين هم النبي ? بالهجرة إلى الحبشة، فنظر إلى الكعبة ملياً وقال: ما اعظمك وما اعظم حرمتك عند الله. ثم أضاف: والذي نفسي بيده لمحجمة (إناء صغير بحجم عقلة الإصبع) من دم امرئ مسلم اعظم حرمة عند الله منك.