ولابد من الإشارة إلى أن تلك الخصوصية لا ترتبط بالمبدأ في حد ذاته وإنما في كيفية تطبيقه وما يعكسه عند الممارسة السياسية العملية من تعاليم وأفكار دينية وروحية. فالدولة الإسلامية على وجه العموم لا تفرق بين الدين والسياسة وتجعل التعاليم الدينية هي الموجه والمحرك للممارسات السياسية, كما تمثل معيار تقييمها, والأمر ذاته ينطبق على حالات أخرى غير دينية فتركيا على سبيل المثال تتخذ من العلمانية عقيدة لها وتمثل المحرك والمقياس لتوجهات الدولة. وما يتفق وتعاليم الإسلام وفق المذهب المتبع في إيران, يحظى بموافقة رجال الفقه وبالتالي تكسبه الشرعية الدينية. ومن ثم السياسية تماماً كما هو مصير كل ما لا يتفق ومبادئ العلمانية حسبما يؤمن بها رجال الجيش والحكم في تركيا ففقدان الروح "العلمانية" يؤدي بالضرورة إلى غياب الشرعية السياسية. المغزى هنا أن السياسة الخارجية الإيرانية لا تختلف عن غيرها من الدول في المنطلقات والأسس لكنها تختلف في مضامين هذه المنطلقات وتفصيلات تلك الأسس.
وعلى هذا الأساس ليس صحيحاً أن ما يطلق عليه النموذج الإيراني هو حالة فريدة من نوعها في العالم وأن طهران تقدم للعالم مثالاً ناجحاً وحيداً للدولة الإسلامية, فحقيقة الأمر أن الدولة الإيرانية القائمة حالياً ليست إلا أحد أشكال نظم الحكم المتعارف عليها في أدبيات علم السياسة والمعروف بالدولة الدينية (الثيوقراطية) حيث القيمة العليا للمبادئ والتعاليم الدينية, وبالتالي فإن الغلبة في موازين القوى لمن هم أقرب إلى تلك التعاليم وأدرى بها وهم علماء الدين ورجال الفقه.