وأخيرا نقف أمام المشهد الرائع الأخير . مشهد الرجل المؤمن عبدالله بن عبدالله بن أبي . وهو يأخذ بسيفه مدخل المدينة على أبيه فلا يدعه يدخل . تصديقا لمقاله هو: (ليخرجن الأعز منها الأذل) . ليعلم أن رسول الله هو الأعز . وأنه هو الأذل . ويظل يقفه حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأذن له . فيدخلها بإذنه . ويتقرر بالتجربة الواقعة من هو الأعز ومن هو الأذل . في نفس الواقعة . وفي ذات الأوان .
ألا إنها لقمة سامقة تلك التي رفع الإيمان إليها أولئك الرجال . رفعهم إلى هذه القمة , وهم بعد بشر , بهم ضعف البشر , وفيهم عواطف البشر , وخوالج البشر . وهذا هو أجمل وأصدق ما في هذه العقيدة , حين يدركها الناس على حقيقتها , وحين يصبحون هم حقيقتها التي تدب على الأرض في صورة أناسي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق .
ثم نعيش في ظلال النصوص القرآنية التي تضمنت تلك الأحداث:
(وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم , ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون) . .
فهم يفعلون الفعلة , ويطلقون القولة . فإذا عرفوا أنها بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم جبنوا وتخاذلوا وراحوا يقسمون بالأيمان يتخذونها جنة . فإذا قال لهم قائل:تعالوا يستغفر لكم رسول الله , وهم في أمن من مواجهته , لووا رؤوسهم ترفعا واستكبارا ! وهذه وتلك سمتان متلازمتان في النفس المنافقة . وإن كان هذا التصرف يجيء عادة ممن لهم مركز في قومهم ومقام . ولكنهم هم في ذوات أنفسهم أضعف من المواجهة ; فهم يستكبرون ويصدون ويلوون رؤوسهم ما داموا في أمان من المواجهة . حتى إذا ووجهوا كان الجبن والتخاذل والأيمان !
ومن ثم يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قضاه الله في شأنهم على كل حال . وبعدم جدوى الاستغفار لهم بعد قضاء الله:
(سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم . إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) . .