إن الحركة التي تغمر المشهد كله:من الصيب الهاطل , إلى الظلمات والرعد والبرق , إلى الحائرين المفزعين فيه , إلى الخطوات المروعة الوجلة , التي تقف عندما يخيم الظلام . . إن هذه الحركة في المشهد لترسم - عن طريق التأثر الإيحائي - حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون . . بين لقائهم للمؤمنين , وعودتهم للشياطين . بين ما يقولونه لحظة ثم ينكصون عنه فجأة . بين ما يطلبونه من هدى ونور وما يفيئون إليه من ضلال وظلام . . فهو مشهد حسي يرمز لحالة نفسية ; ويجسم صورة شعورية . وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس .
الدرس الخامس:مقدمة الدرس تحقيق الفئة المقصودة بالآيات
إن السياق يمضي - بعد هذا - إلى التعجيب من أمر طائفة أو أكثر من المسلمين - قيل إن بعضهم من المهاجرين , الذين كانت تشتد بهم الحماسة - وهم في مكة يلقون الأذى والاضطهاد - ليؤذن لهم في قتال المشركين . حيث لم يكن مأذونا لهم - بعد في قتال , للحكمة التي يعلمها الله ; والتي قد نصيب طرفا من معرفتها فيما سنذكره بعد . . فلما كتب عليهم القتال , بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة , وعلم الله أن في هذا الإذن خيرا لهم وللبشرية . . إذا هم - كما يصورهم القرآن - "يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ! وقالوا:ربنا لم كتبت علينا القتال ! لولا أخرتنا إلى أجل قريب ! " ممن إذا أصابهم الحسنة قالوا :هذه من عند الله . وإن أصابتهم السيئة قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: هذه من عندك . وممن يقولون:طاعة حتى إذا خرجوا من عند الرسول صلى الله عليه وسلم بيت طائفة منهم غير الذي تقول) . وممن إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به . . .