فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه فى الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبىّ وغيره؛ بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك، مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا لله ورسوله . وهذا القدر كان موجودًا فى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زال بعده، بل هو بعده أكثر منه على عهده؛ لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى . فإذا كانت مع قوتها وكان النفاق معها موجودًا فوجوده فيما دون ذلك أولى .
وكما أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم بعض المنافقين، ولا يعلم بعضهم، كما بينه قوله : ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ [ التوبة : 101 ] ، كذلك خلفاؤه بعده وورثته، قد يعلمون بعض المنافقين، ولا يعلمون بعضهم . وفى المنتسبين إلى الإسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون، فى الخاصة والعامة . ويسمون [ الزنادقة ] .
وقد اختلف العلماء فى قبول توبتهم فى الظاهر، لكون ذلك لا / يعلم؛ إذ هم دائمًا يظهرون الإسلام . وهؤلاء يكثرون فى المتفلسفة من المنجمين، ونحوهم، ثم فى الأطباء، ثم فى الكتاب أقل من ذلك . ويوجدون فى المتصوفة والمتفقهة، وفى المقاتلة والأمراء، وفى العامة أيضًا . ولكن يوجدون كثيرًا فى نحل أهل البدع، لاسيما الرافضة، ففيهم من الزنادقة والمنافقين ما ليس فى أحد من أهل النحل؛ ولهذا كانت الخُرَّمِيَّة، والباطنية، والقرامطة، والإسماعيلية، والنُّصَيْريَّة، ونحوهم من المنافقية الزنادقة، منتسبة إلى الرافضة .