ثم إبطان ما يخالف الدين، إما أن يكون كفرًا أو فسقًا . فإذا أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب، فهذا هو النفاق الأكبر الذي أوعد صاحبه بأنه في الدرك الأسفل من النار . وإن أظهر أنه صادق أو موف، أو أمين، وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك . فهذا هو النفاق الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقًا .
فإطلاق النفاق عليهما في الأصل بطريق التواطؤ .
وعلى هذا، فالنفاق اسم جنس تحته نوعان . ثم إنه قد يراد به النفاق في أصل الدين، مثل قوله : ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾ [ النساء : 145 ] و ﴿ إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [ المنافقون : 1 ] والمنافق هنا : الكافر .
وقد يراد به النفاق في فروعه . مثل قوله صلى الله عليه وسلم : / ( آية المنافق ثلاث ) وقوله : ( أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ) وقول ابن عمر : فيمن يتحدث عند الأمراء بحديث . ثم يخرج فيقول بخلافه : كنا نعد هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم نفاقًا .
فإذا أردت به أحد النوعين، فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام العهد، والإضافة . فهذا لا يخرجه عن أن يكون متواطئًا، كما إذا قال الرجل : جاء القاضي . وعني به قاضي بلده، لكون اللام للعهد .
كما قال سبحانه : ﴿ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ﴾ [ المزمل : 16 ] أن اللام هي أوجبت قصر الرسول على موسى، لا نفس لفظ ( رسول ) . وإما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه، فيصير مشتركًا بين اللفظ العام والمعنى الخاص . فكذلك قوله : ﴿ إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ ﴾ فإن تخصيص هذا اللفظ بالكافر إما أن يكون لدخول اللام التي تفيد العهد، والمنافق المعهود : هو الكافر .