لقد ذهب رجل إلى أحد السلف فقال : أين ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً ﴾ [ البقرة : 274 ]
فقال له : ذهبوا مع من ﴿ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ [ البقرة : 273 ] .
هذا مشهد من مشاهد الإخاء الحقيقى بمعتقد التوحيد الصافى بشموله وكماله ، والله لولا أن الحديث فى أعلى درجات الصحة لقلت إن هذا المشهد من مشاهد الرؤيا الحالمة .
هذه هى الأخوة الصادقة ، وهذه هى حقيقتها ، فإن الأخوة فى الله لا تبنى إلا على أواصر العقيدة وأواصر الإيمان وأواصر الحب فى الله ، تلكم الأواصر التى لا تنفك عراها أبداً .
الأخوة فى الله نعمة جمة من الله ، وفضل فيض من الله يغدقها على المؤمنين الصادقين ،الأخوة شراب طهور يسقيه الله للمؤمنين الأصفياء والأذكياء .
لذا فإن الأخوة فى الله قرينة الإيمان لا تنفك عنه ، ولا ينفك الإيمان عنها فإن وجدت أخوة من غير إيمان ، فاعلم يقيناً أنها التقاء مصالح ، وتبادل منافع ، وإن رأيت إيمان بدون أخوة صادقة فاعلم يقيناً أنه إيمان ناقص يحتاج صاحبه إلى دواء وعلاج لمرض فيه ، لذا جمع الله بين الإيمان والأخوة فى آية جامعة فقال سبحانه ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [ الحجرات : 10 ]
فالمؤمنين جميعاً كأنهم روح واحدة حل فى أجسام متعددة كأنهم أغصان متشابكة تنبثق كلها من دوحة واحدة ، بالله عليكم أين هذه المعانى الآن ؟!!
ولذلك لو تحدثت الآن عن مشهد كهذا الذى ذكر آنفا ربما استغرب أهل الإسلام هذه الكلمات ، وظنوها كما قلت من الخيالات الجميلة والرؤيا الحالمة لأن حقيقة الأخوة قد ضاعت الآن بين المسلمين ، وإن واقع المسلمين اليوم ليؤكد هذا الواقع الأليم ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، فلم تعد الأخوة إلا مجرد كلمات جوفاء باهتة باردة لا حرارة فيها إلا من رحم الله .