تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت فإذا دخل الفقير الخلوة فينبغي أن يستعمل معها العزلة وهي عزلة القلب فالخلوة للأشباح والعزلة للقولب فلا بد فيها من التفرغ الكلي والألم ينتفع بها وفي الحكم ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة فالمقصود من الخلوة هو دواء القلب ولا يشفى القلب إلا إذا تفرغ من الإخلاط الردية فإن القلب كالمعدة كلما كثر عليه الأخلاط مرض وهي الخواطر والشواغب فإذا تفرغ القلب نفعه الذكر وإلا فلا ثم لا يزال مستعملا للذكر لهجابه حتى يصمت اللسام ويبقى الجنان ذاكرا وينبغي أن يستثيبت الجنان ما يذكره اللسان فإن ذكر اللسام بلا جنان قليل النهوض إلى حضرة العيان ثم لا يزال يذكر بلسانه ويستثبته بجنانه حتى يجري معناه في فؤاده ويتمكن نوره في قلبه ثم يجري ذلك في جميع أعضائه كما يجري الدم في سائر حسده وكما يجري الماء في الأغصان الرطبة فيكون البدن كله يتحرك بذكر الله ولقد سمعت شيخ شيخنا مولاى العربي رضي الله عنه يقول بقيت أربع سنين نذكر الأمس المفرد حتى كان البدن كله يتحرك بالذكر فكنت إذا وضعت يدي على فخذي لسكنه تحرك الفخذ الآخر وإذا وضعت يدي على الفخذ الآخر نحرك الفخذ الآخر اه فإذا صفت مرآت القلب وتجوهرت فعند ذلك يحاذيها لوائح الغيوب وهي أنوار المواجهة تقدمه لأنوار المشاهدة لأن المشاهدة تكون لوائح ثم طوالع ثم تشرق شمس العرفان فما لها غروب عن العيان فعند ذلك يكاشف بحقائق الأشياء فيدرك سر كل موجود ويعلم حقيقة كل معلوم وكل مجهول يعني ما كان مجهولا صار عنده معلوما وما كان معلوما أردك سره وحكمته وهنا يطلع على سر المتشابهات وحقائق المشكلات فتتسع عليه دائرة العلوم وتخرق له مخازن الفهوم ويخرجم إلى فضاء الشهود وقال آخر

الحب ديني فلا أبغي به بدلا ... والحسن ملك مطاع جار أم عدلا

والنفس عزت ولكن فيك أبذلها ... والذل مرم ولكن في رضاك حلا

العطائية · الصفحة ٥٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العطائيةص ٥٤٧