فراسة الأولياء فمددها من كذا وحالها من كذا وتكلم في ذلك بكلام موهوب غير مكسوب أذهل عقول الحاضرين واستغرق بذلك إلى أذان الظهر والناس يبكون ورأيت العرق ينحدر من جبينه حتى ينحدر على لحيته وكانت لحيته كبيرة اه وقال في لطائف المنن وكنت أنا لأمره من المنكرين وعليه من المعترضين لا لشئ سمعته منه ولا لشئ صح نقله عنه حتى جرت مقاولة بيني وبين بعض أصحابه وذلك قبل صحبتي إياه وقلت لذلك الرجل ليس إلا أهل العلم الظاهر وهؤلاء القوم يدعون أمورا عظاما وظاهر الشرع يأباها فقال لي ذلك الرجل بعد أن صحبت الشيخ تدري ما قال لي الشيخ يوما تخاصمنا قلت لا قال دخلت عليه فأول ما قال لي هؤلاء كالحجر ما أخطأك منه خير مما أصابك فعلمت أن الشيخ كوشف بنا قال ولعمري لقد صحبت الشيخ أثنى عشر عاما فما سمعت منه شيئا ينكره ظاهر العلم من الذي كان ينقله عنه من يقصد الأذى وكان سبب اجتماعي به أن قلت في نفسي بعد أن جرت المخاصمة بيني وبين ذلك الرجل دعني أذهب فأرى هذا الرجل فصاحب الحق له أمارة لا يخفي شأنها فأتيت إلى مجلسه فوجدته يتكلم في الأنفاس التي أمر الشارع بها فقال الأول إسلام والثاني إيمان والثالث إحسان وإن شئت قلت الأول عبادة والثاني عبودة وإن شئت قلت الأول شريعة والثاني حقيقة الثالث تحقق أو نحو هذا فما زال يقول وإن شئت قلت وإن شئت قلت إلى أن أبهر عقلي وعلمت أن الرجل إنما يغرف من فيض بحر إلهي ومدد رباني فأذهب الله ما كان عندي إلى آخر كلامه فهذه الحقائق التي يفيضها الحق تعالى على قلوب أوليائه فينطقون بها تكون أولا مجملة فإذا حفظت وتقديت تبين معناها فمنها ما تدركه العقول ويطابق المنقول ومنها ما لا تفهمها العقول فتكلها إلى أبابها ولا تنتقدها عليهم بمجرد سماعها وانظر قول ابن الفارض رضي الله عنه
فثم وراء النقل علم يدق عن ... مدارك غايات العقول السليمة
صفحة: 220