فقلت لو كان رهن الموت من ظمأ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد والكلام في المحبة طويل ذكر الشيخفي لظائف المنن منه جملة صالحة وكلان الشيخ رضي الله عنه من باب التدلي فالمعرفة أعلى المقامات وقبلها الفناء وقيل للفناء المحبة أي أولها فأول ما يقذف الله في قلب عبده الذي يريد أن يصطفيه لحضرته ويعرفه به محبته فلا يزال يلهج بذكره ويتعب جوارحه في خدمته ويتعطش إلى معرفته فلم يزل يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه الحق فإذا أحبه أفناه عن نفسه وغيبه عن حسه فكان سمعه وبصره ويده وجملته ثم رده إليه وأبقاءه به فعرفه في كل شيء ورآه قائما بكل شيء ظاهرا في كل شئ والله تعالى أعلم ولهذا الذي ذكره الشيخ علاماى تدل على تحقيق تلك المقامات فمن وجدها في نفسه كانت دعواه لتلك المقامات أو بعضها صحيحة ومن لم يجدها في نفسه كانت دعواه لها كاذبة وفضيحة فليعرف قدره ولا يتعد طوره وبالله التوفيق ولما كانت المعرفة تقتضي ظهور الحق في كل شئ حتى تراه ظاهرا في كل شئ بين وجه احتجابه وخفائه تعالى مع شدة ظهوره ثلاث حكم الحكمة الأولى شدة القرب ولا شك أن شدة القرب توجب الخفاء كسواد العين من الإنسان فإن الإنسان لا يدرك سواد عينه لشدة قربه منه والله تعالى أقرب إليك من كل شئ قال تعالى ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد فشدة قربه منك موجب لاضمحلالك قال في لطائف المنن فعظيم القرب هو الذي غيب عنك شهود القرب قال الشيخ أبو الحسن حقيقة القرب أن تغيب في القرب عن القرب لعظيم القرب كمن يشم رائحة المسك فلا يزال يدنو وكلما دنا منها تزايد ريحها فلما دخل البيت الذي فيه المسك انقطعت رائحته عنه وأنشد بعض العارفين
كم ذا تموه بالشعبين والعلم ... والأمر أوضح من نار على علم
صفحة: 178