وهذه المعرفة وهذه العوالم محلها واحد وهو لوجود الأصلى والفرعي وإنما تختلف التسمية باختلاف النظرة وتختلف النظرة باختلاف الترقي في المعرفة فالوجود عند المحققين من العارفين واحد قسم لطيف غيب لم يدخل عالم التكوين وقسم كثيف دخل عالم التكوين فالأول يسمى عالم الغيب والثاني علام الشهادة وما كان خفيا في عالم الغيب ظهر في عالم الشهادة فمن نظر إلى حس الأشياء الظاهر سماه ملكا ويسمى أيضا عالم الحكمة وعالم الأشباح ومن نظر إلى أسرار المعاني القائمة بالأواني وهي أسرار الذات القائمة بانوار الصفات سماه ملكوتا ومن نظر إلى السرار الأزلية التي كانت حال الكنزية التي لم تدخل علام التكوين سماه جبروتا أو تقول ومن نظر إلى الكثيف الذي دخل التكوين ورآه مشتغلا بنفسه قائما بقدرة اله سمى في حقه ملكا وهو لأهل الحجاب من أهل الفرق وبم رآه نورا فائضا من النور اللطيف متصلا به إلا انه تكثف بالقدرة وتستر بالحكمة سماه ملكوتا وسمى اللطيف الباقي على أصله الذي لم يدخل عالم التكوين الذي هو اول كل شئ وآخر كل شئ ومحيطا بكل شئ جبروتا فإن ضم الفرع إلى أصله والكثيف إلى اللطيف سمى الجميع جبروتا وهذه المعاني لا يفهمها إلا أهل الأذزاق بصحبة أهل الأذواق وحسب من لم يبلغ لهذا المقام التسليم وإلا وقع في الإنكار على أولياء الله بما لم يحط به علما ولنرجع إلى كلام الشيخ رضي الله عنه فنقول ربما كشف الله عنك الحجاب وترقيت إلى الدخول مع الأحباب فأخرجك من سجن رؤية الأكوان إلى شهود المكون ومن علم الأشباح إلى عالم الأرواح فأطلعك عل غيب ملكوته فأبصرت الكون كله نورا فاشضا من بحر الجبروت فالحقته بأصله وفنيت عن شهود الملك الذي هو عالم الفرق بشهود الملكوت الذي هو عالم الجمع الذي قال فيه ابن البناء
مهما تعديت عن الأجسام ... أبصرت الحق ذا ابتسام
صفحة: 172