فما الدنيا بباقية لحي ... وما حي على الدنيا بباق
صفحة: 152
فلو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة والآتية حاضرة ليك أقرب إليك من أن ترحل إليها إذ هي الراحلة إليك والمدركة ل ولرأيت محاسن الدنيا الوهمية الفاني قد ظهرت كسفه الفناء عليها أي قد انكسف نور وجودها بظهور ظلمة فنائها فصار ما كان ظاهرا باطنا صار ظاهرا وما كان كثيفا صار لطيفا وما كان لطيفا صار كثيفا وما كان صار شهادة وما كان شهادة صار غيبا وإنما بعد ذلك عن الخلق ضعف إيمانهم وقلة نور إيقانهم ولو أشرق نور اليقين في قلوبهم أو الدنيا مكسوفة أنوارها بادية عوارها كما رآها حارثة رضي الله عنه حين أخبر عن حقيقة إيمانه فقد روى عن أنس رضي الله عنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشي إذا استقبله شاب من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت يا حارثة قال أصبحت مؤمنا بالله حقا فقال له انظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا أي أدبرت وهربت فأسهرت ليلى وأظمأت نهاري فكاني بعرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاون فيها فقال له أبصرت فالزم عبد نور الله الإيمان في قلبه قال رسول ادع الله لي بالشهادة فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم بدر شهيدا فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله قد علمت منزلة حارثة منى فإن يكن في الجنة أصبر وأن لم يكن في الجنة ترى ما أصنع فقال أوهبلت أجنة هي أنها جنان وأن ابنك أصاب الفردوس الأعلى فرجعت وفي تضحك وتقول بخ بخ يا حارثة اه كما رآها معاذ بن جبل رضي الله عنه حين دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له كيف أصبحت يا معاذ قال أصبحت مؤمنا فقال أن لكل قول مصداقا ولكل حق حقيقة فما مصداق ما تقول فقال يا رسول الله ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت لا أمسي وما أمسيت قط