لذا تجد أن الفطن هو الذي يتأمل ملياً في عواقب الأمور ؛ ليرى بمنظار البصيرة ما يعجز عن رؤيته كثير من أهل الهلاك والثبور ، الذين يندفعون ملء قوتهم ووسع طاقتهم لولوج ساحة الآثام والفجور ، ثم ما يلبثوا يسيراً حتى تطويهم ظلمة القبور ، دون أن يمنحوا أنفسهم أدنى فرصة للتروي قبل دمارهم ، إذ خالطت الدنيا شغاف قلوبهم فأضحوا يهيمون بها ملء صدورهم ، أما من أبصر الحقائق ، وأمعن النظر في العواقب ، يجد أنها صفقةٌ خاسرةٌ تلك التي جعلته ينافس الكلابَ والخنازيرَ خلال فترة عمره المحدودة على عظمةٍ باليةٍ ، وجيفةٍ مُنتنةٍ ؛ حتى نهشوا منه اللحم ، ومزقوا منه العرض ؛ وأضحت رحى الشحناء والبغضاء ، تضرب فيهم بأطنابها وتجرف الجميع في دورانها ، حتى أشعلت منهم القلوب ، وأوغرت منهم الصدور ، فصار عيشهم كدر ، ونفعهم ضرر ، وما لبثوا أن تخطفتهم يد المنية في لحظة غرر ؛ فلا الدنيا أدركوا ، ولا الآخرة أبقوا ؛ حتى إذا ما أيقنوا بالهلاك ؛ عضوا أصابع الندم على ما فات ، فيا ليت شعري . . أين ذهبت من أصحاب العقول عقولهم ، وأين فُقدت من أصحاب البصيرة بصيرتهم ، فالعبرة تتكرر أما أعينهم صباح مساء ، ويد المنية تخطف الفقراء منهم والأغنياء ووحشة القبر تفتتن في ظلماتها الصالحين والأشقياء ، فمتى تزول عن العيون غشاوتها ؟ ومتى تستيقظ القلوب من غفوتها ؟ فالخطب عظيم والأمر جلل ، واللحظات تمضى دون توقف لتنقص آجالنا ، وتختلس أعمارنا ، في حين لا نجني من دنيانا سوى السراب ، ثم نفارقها راغمين إلى التراب لتبدأ رحلتنا مع الحساب ، ولا ندري بعدها أنحظى بالعفو أم العقاب ، فأوقفوا هذا السيل من استنزاف الأعمار ، واجعلوا من العواقب معياراً للاعتبار وألينوا قلوبكم بالتضرع بين يدي ربكم في دجى الأسحار ، واعلموا أن تمكّن الدنيا من القلوب لا يودي إلا إلى كل خزيٍ وذلٍ وعارٍ ، فارتقوا بالنفوس إلى رحاب الملك القدوس ، ولا تدنسوها بمزيد من تدني
نبض القلم · الصفحة ١٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
نبض القلمص ١٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي