فالقارئ شخص منخرط في التاريخ ليس بالقارئ المثالي ولا بالقارئ الساذج. ومعالمه تتحدد أيضا في ثنايا العمل الأدبي، إذ ما دامت " حرية المؤلف وحرية القارئ تبحث كل مها عن الأخرى، ويتبادلان التأثير فيما بينهما من ثنايا عالم واحد، فمن الممكن أن يقال: إن ما يقوم به المؤلف من اختيار لبعض مظاهر العالم هو الذي يحدد القارئ، كما يمكن أن يقال أيضا إن الكاتب - حينما يختار قارئه - يفصل بذلك في موضوع كتابه. ولذلك كانت كل الأعمال الفكرية محتوية في نفسها على صورة القارئ الذي كتبت له "
إن صورة القارئ المتضمنة في العمل هي ما سيصطلح عليها بالقارئ الضمني ينم تحليل جون بول سارتر، عن وعي عميق بوظيفته القارئ في انفتاح العمل الأدبي على إمكانيات لا نهاية من التأويلات، حيث انتقد التصور الذي يعلي من شأن المؤثرات الخارجية من جهة المؤلف يقول: " سيستهوي قوما القول بأن كل محاولة لتفسر عمل الفكر، عن طريق الجمهور الذي يتوجه به إليه، محاولة زائفة مفتعلة تتناول العمل تناولا غير مباشر. ألا يكون الأمر أيسر وأقوم وأدق إذا أخذنا ظروف الكاتب نفسه عاملا حاسما في إنتاجه؟ ألا يكون من الأوفق القول بفكرة " تين " في تأثير البيئة؟ غير أني أجيب هؤلاء بأن التفسير بالبيئة حاسم حقا من حيث إن البيئة تنتج الكاتب، ولذلك لا أعتقد في هذا التفسير. إذ الشأن في الجمهور أن يكون على النقيض من ذلك، لأنه يهيب بالكاتب، أن يضع أسئلة يتوجه بها إلى حريته. والبيئة قوة دافعة إلى الخلف، ولكن الجمهور على النقيض انتظار، وفراغ يملأ.
تستتبع نظرية التلقي علاقة جدلية بين أفق التوقع (ما يتضمنه النص) وأفق التجربة (ما يفترضه المتلقي)، وتفتح حوارا بين الماضي والحاضر" مدرجة التفسير الجديد ضمن السلسلة التاريخية لتفعيلات المعنى". وقد جاءت هذه النظرية لاستدراك مسألة تاريخ الأدب التي استبعدت نتيجة الخلاف المحتدم بين الشكلانية والماركسية، وردم الفجوة الفاصلة بين المعرفة الجمالية والمعرفة التاريخية، وإعادة الاعتبار للنزعة الإنسانية التي غيبت من المحفل الأدبي إثر الإعلان عن موت الكائن البشري. وهي تنطلق من معاودة النظر في ثبات النظرة التقليدية للنص " فالمعنى .. ليس شيئا يستخرج من النص، أو يتم تجميعه من إيحاءات نصية، بل يتم التوصل إليه من خلال عملية تفاعلية بين القارئ والنص". لقد زعزعت نظرية التلقي التقليد السائد الذي كان يتعامل مع النص بوصفه قاعدة ثابتة للتأويل، وانزاحت عن المفاهيم التأويلية القديمة واضعة القارئ في مركز مشروعها التأويلي، و مؤكدة عدم الفصل بين النص المقروء وتاريخ تلقيه. وهكذا أصبحت للقارئ مهمة جديدة لا تختزل في التلقي السلبي والتواطؤ للبحث عن المعنى الوحيد والمحدد سلفا، وإنما تقوم على ملء فراغات النص وفرجاته، وإدراكه في صيرورته وليس باعتباره كينونة ثابتة، وبناء المعنى المتعدد من خلال التفاعل والتواصل معه (فعل القراءة).
وكان جاتمان حدّد مستويات عدة للإرسال والتلقّي، تبعاً لنوع العلاقة التي تربط المرسل بالمتلقّي، فتوصّل إلى ضبط المستويات الآتية: 1.مستوى يحيل على مؤلف حقيقي، يُغزى إليه الأثر الأدبي، يقابله قارئ حقيقي يتجه إليه ذلك الأثر. 2.مستوى يحيل على مؤلف ضمني، يجرّده المؤلف الحقيقي من نفسه، يقابله قارئ ضمني يتجه إلى الخطاب. 3.مستوى يحيل على راوٍ ينتج المروي، يقابله مروي له يتجه إليه الراوي
إن الهدف المنشود الذي سعت إليه نظرية التلقي- رغم أنه ما يزال بعيدا عن التحقيق- هو إدراك " نظرية عامة للتواصل" ذات اختصاصات متداخلة، وهي نظرية تحتوي على جميع الاختصاصات وتتكون منها في الوقت نفسه"
بتصرف
يتبع ...
نظرية التلقي:
هذه النظرية صدى لتطورات اجتماعية وفكرية وأدبية في ألمانيا الغربية خلال الستينات المتأخرة.