فالكتابة والقراءة وجهان لفعل واحد لاسبيل إلى فصل أحدهما عن الآخر، فالأثر لايكتب ولايبرز للوجود إلاّ موصولاً بالقراءة إذ أنَّ القارئ هو الذي يخرج بالأثر من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل، ولكن القراءة لاتتم إلاّ مع الكتابة، إنها في آخر المطاف فعل مستحدث، يستحدثه النص المكتوب، وهكذا التفاعل بين القراءة والكتابة على أشد مايكون إذ لاوجود لأي منهما إلاّ بوجود الآخر، وإذا نحن انطلقنا من كل هذا الذي ذكرناه ومن مفهوم القراءة المرتبط بإمكانات النص وحيله التي هي وسيلة القارئ وأداته لانجاز القراءة حتى تصبح القراءة انجازاً لمعنى النص وتفعيلاً لوجوده حياً، ولو أخذنا النص السردي فإنّ أول مظهر يتعرض للخلخلة هو مظهر الزمن السردي حيث نحس من الاستهلال والمقاطع الأولى بوجود نزوع مسبق إلى استخدام وسائل متعددة وكثيرة للتخلص من خطية الزمن وتعاقبه. إنّ استخدام تقنيات الزمن السردية ينتج جملة خصائص دلالية، فالابداع الأدبي نتاج الخيال والزمن يعدّ أكثر العناصر خضوعاً للخيال، فهو العمود الأساس من بين الأعمدة التي يشيد فوقها الروائي عالمه التخيلي إذ يمتلك من سمات الخيال ماتفتقد إليه العناصر الأخرى، بسبب طبيعته الهلامية الخادعة وما يتسم به من مطاطية فهو معيار شخصي يختلف من فرد إلى آخر، ويمتلك كل واحد منّا له مفتاحاً خاصاً يديره على هواه، في حين الخيال كقوة حيوية تذيب وتلاشي لكي تخلق من جديد تستعيد به النفس الأشياء الغائبة " وتبتكر أشياء لم توجد من قبل وليس عمل التخيل منحصراً في استعادة الصورة الماضية "، بل يقوم بالتوفيق بين القوى المتضادة، وإعادة انتاج مفردات الإحساس وربطها، فكلاهما فعالية ذهنية أساسها الإحساس والإدراك، والرواية بوصفها جنساً أدبياً حديثاً " لايمكن أن تنفلت من تأطير وحيز زمنيين" ومنبع الإشكالية في تلقي زمنية الرواية يتمثل في التفريق الذي أقامه الشكلانيون الروس بين ما يسميه (توماشفسكي) بالمتن الحكائي الذي يتألف من الأحداث نفسها بيد أنه يراعي نظام ظهورها في العمل الأدبي، فالواقع ينتظم في النص الروائي من خلال منطق كلي خاص، لذا كان النظام الزمني الذي يتخذه النص الروائي الجديد واحداً من الأنماط التركيبية ذات التأثير الفاعل في تكوين الدلالة وإحداث التأثير الجمالي في المتلقي حال تواصله مع النص.
تعد رؤية المبدع للإنسان والكون والحياة ذات أثر كبير في تشكيل عمله الأدبي وكذلك في تلقيه، والنص الأدبي هو رؤية للذات في علاقتها مع الخارج، لذا يعدّ تفسيراً لمظاهر الحياة، ومثل هذا التفسير يلجأ إلى حيل أسلوبية وتقنيات فنية تسمه بالغموض والخفاء و (التشفير) إن صحّ القول، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى تفسيرٍ ثانٍ، وهذا التفسير " لايتحقق إلاّ بعد أن يستوفي التفسير الأول شروطه ومقاصده، فالتفسير الأول يصدر عن المبدع، بينما الثاني يحتكم في وجوده إلى القارئ، لأنّ تصوره للنص يفرض عليه تفسيره وإعادة صياغته " فتقبل النص الأدبي لايتم دفعة واحدة بل عبر مراحل ثلاث تتلازم فيما بينها تلازماً لافكاك منه وهي (أ- التقبل الجمالي ب - التأويل ج - الفهم) وهذا التدرج سمة مطلوبة لأنه ينقل عبر ترسبات مختلفة في ذهن القارئ، إلى الهدف الأقصى الذي ينشده المبدع من وراء الكتابة نفسها، وهو فعل التأثير في القارئ من خلال التحكم في دفة الفهم، وكلما اتسعت المسافة بين النص والواقع اتسعت مساحة التقبل الجمالي فالتأويل فالفهم، إذ أن (أفق الانتظار) أو (أفق التوقع) - وحسب تحديد هانزروبرت ياوس - يتجسم في العلامات والدعوات والإشارات التي تفترض استعداداً مسبقاً لدى متلقي الأثر، وإن (افق الانتظار) على هذا الأساس يحيا في ذهن الأديب في أثناء الكتابة ويؤثر في إبداعه أيّما تأثير وقد يختار المبدع إرضاء المتلقين فيسايرهم فيما ينتظرون، مثلما يختار أن يجعل الانتظار يخيب أي أنّ النص يخرج من السنّة الأدبية وعن أفق توقع المتلقي ويطور قيم التعبير ويخلق انزياحات جديدة وانتظاراً جديداً، وهذا ما يدعم ارتباط القراءة بالكتابة.