تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقريب من هذا ما يحدثا به القرآن الكريم عن ذي القرنين حينما ملك الدنيا كلها وبلغ مغرب الشمس وبلغ مطلعها حتى بلغ بين السدين ووجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا ويشكون له فساد يأجوج ومأجوج ويعرضون عليه خرجا وأجرا ومكافأة تتناسب مع عظم العمل الذي سيقوم به وهو أن يبني لهم سداً يحول بينهم وبين هؤلاء المفسدين في الأرض وقد علموا أنه خبير في بناء السدود ولكنه يرفض الأجر الذي عرض عليه منهم ويقول لهم إن تمكين الله لي في حرفتي ومهنتي وخبرتي في عملي أمر لازم وواجب علي كي أقوم بشكر النعمة التي منَ الله بها على إذ أمكنني الله من عملي انفع به البشر فيلزمني شكرُ تلك النعمة ويستعين بهم في جمع قطع الحديد الخالص ويضعه في صورة بناء ويضع بين كل طبقتين خشباً وفحما حتى إذا ساوى بناءه بين الجبلين قال لهم أنفخوا حتى إذا انصهر الحديد بالنار فيقول لهم أتوني نحاساً مذاباً فيصير عمله كتله واحدة وهو من السماكة بحيث لا يستطيع المفسدين نقبه وهو من الملاسة بحيث لا يستطيع الاعداء علوه واستظهاره ولما تم له عمله الذي قدمه للبشرية فلا يغتر ولا يتيه ولا يزهو بل يعترف لله بالنعمة ويقوم بالشكر لله ان مكنه من فضل ينفع به الآخرين فيهتف قائلاً (( هذا من فضل ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا )).

وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح الأعظم وهو يرى أم القرى وهي تسلم قيادها إلى الله رب العالمين وينظر دولة الأصنام وهي تتهاوى وتلك الأوثان التي عبدت من دون الله وهي تسقط مهشمة على وجوهها ويرى الشرك وهي تتدمر أمام جند الله يدخل مكة منحني الرأس حتى مست لحيته عنق راحلته خضوعا لله رب العالمين وهو يهتف من أعماق نفسه: لا اله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزام وحده [ لا اله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ] وقل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا.

مواقف إيمانيه · الصفحة ٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مواقف إيمانيهص ٨٢