فسألها أبو جهل عن الرسول، فرفضت الإجابة، وأعرضت عنه، فلطم خدها لطمة أطارت قرطها (1) فما وهنت ولا اعترفت.
ثم جاء إلى البيت أبو قحافة - جدّ أسماء - يسأل عن حالها وأخوتها، وعما ترك أبو بكر لهم، وكان أبو قحافة رجلًا أعمى, فأخذت (أسماء) كيسًا به بعض الأحجار فوضعته في الكوة (2) التي كان أبوها يضع فيها ماله، وقالت لجدها: هذا ما ترك أبي، فوضع يده، فوجده كثيرًا، فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا، ولم يفجعكم في ماله، كما فجعكم في نفسه، ولم تنته مواقف (أسماء) عند حادث الهجرة العظي، ولكن حياتها حفلت بكثير من مواقف البطولة، وقد كان لها فضل الجهاد ضد الروم في موقعة اليرموك، فقد اشتركت فيها مع زوجها (الزبير) وابنها (عبدالله).
زوجة صابرة:
تزوجت (أسماء) بالزبير بن العوام ابن عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان حينذاك فقيرًا، لا يملك إلا فرسه. وعاشت معه صابرة مجاهدة، تعمل - في البيت - عملا يدرّ عليهما رزقا يستعينان به على الحياة.
وقد هاجرت معه إلى المدينة على هذه الحال، إلى أن أقطع النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجها أرضًا من أرض بني النضير، فحسنت حالهما بعض الشيء، إلا أنها لم تبلغ مبلغ الثراء، وقد تعودت (أسماء) الصبر والقناعة والزهد، وعلمت ابنها (عبدالله) هذه الأخلاق الفاضلة فكان - رحمه الله - كأمه زاهدًا صوامًا قوامًا.
أديبة عالمة:
كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، ملازمًا للقرآن الكريم وللنبي صلى الله عليه وسلم. وفي ظل هذا الوالد المؤمن نشأت (أسماء) وتغذى عقلها ولسانها وضميرها، فلا عجب أن تكون أديبة بليغة تقول الشعر، وتجرى الحكمة على لسانها قوية صادقة، وتملك ببيانها العذب والألباب والعقول، وتقنع محدثها برأيها الصائب. وكانت - إلى جانب ذلك - عالمة بأمور دينها محدثة تروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تسمع من كلامه الطيب. وقد روى لها الشيخان (البخاري، ومسلم) ستة وخمسين حديثًا.
أم مثالية:
وكانت (أسماء) أما مثالية تتحكم في عاطفتها، وتقود ابنها إلى ساحات المجد الجهاد، والدفاع عن المبدأ الذي آمن به.
(1) قرط المرأة: الحلق.
(2) فتحة صغيرة في الحائط غير نافذة.