الكلمة أوبقت على رجل من بنى إسرائيل دنياه وآخرته كما جاء في الحديث الحسن: أن رجلين من بنى إسرائيل كان أحدهما مجتهداً في الطاعة، والآخر مقترفاً للذنوب، ولا يزال المجتهد يقول للمذنب: أقصر، وذات يوم وجد المجتهد في الطاعة المذنب عاكفاً على ذنبه، فقال له: أقصر، فقال له المذنب: خلني وربى، أبعثت على رقيباً؟ فقال المجتهد: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة؛ فاجتمعا عند رب العالمين بعد قبض روحيهما، فقال الله للمجتهد: أكنت بي عالماً أو كنت على ما فى يدي قادراً؟، وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة - وهنا محل الشاهد -:"والذي نفسي بيده، لقد تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته"، فإذا كانت الكلمة بهذه المنزلة، وبتلك الحظورة، فليس من اللائق بالعاقل أن يتجاهل قدرها، أو يتجاوز موضعها، أو يهمل تبعاتها، والعجب من رجل يخلص في كل أعماله لله - تعالى-، ويتجه بطاعته لمولاه، لكنه أمام الكلمة مهزوم الجانب، خائر القوى، فاقد السيطرة، لا يستطيع التحكم فيها لتهدم له كل ما بناه، وتوبق عليه آخرته ودنياه!!، يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم والزنا، وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك .. ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقى لها بالاً، ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفرى في أعراض الأحياء والأموات لا يبالى ما يقول"، إن الكلمة ولو في الخير إذا أخطأت موطنها كانت ضرباً من الهذربة، ونوعاً من الهذيان الذي لا ينبغي.
56 - كيف نتخلص من الوهن؟ (1)
(1) فضل الله ممتاز/ http://www.almoslim.net