وفي اليوم الموعود ذهبت باكرا إلى المحطة فوجدت بها طلبة المدارس الإيطالية وأفرادا معدودين من ركاب لم اعرف منهم أحدا وركبنا لوجهتنا وهي "سلوق" وما إن وصلنا حتى رأينا المكان غاصّا بالجندرمة وأفرادا من الجيش بمدرّعاته. واصطف الناس على هيئة مربع في وسطه مشنقة. وبعد وصولنا وصلت سيارة مغطاة نزل منها السيد عمر وقورا. فأخذه الضابط وسلّمه إلى الجلاّد. وبعد قراءة الحكم ووضع الحبل في عنقه انقطع الحبل ... وهتع سيدي عمر على الأرض وقال قولته المشهورة ولا زلنا نتندر بها " يلعن بوك دولة حتى أحبالها بايده ... " وأعيدت الكرّة بحبل آخر .. وكأنني بلسان سيدنا عمر يردد في تلك اللحظة الآخرة من عمره آية التوبة ((إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله))
الدفن.
لم يحمل أو يدفن نهارا بل احتفظ بجثمانه حتى جنّ عليه الليل وحمل إلى مقبرة السيد محمد عبيد بضاحية اسمها "الزريرعيّة" وسلّمه ثلاثة ضباط إلى القبّار هناك.
ثم دفن في رمس على يسار السائر إلى روضة السيد محمد عبيد وظل الرمس مجهولا من تلك السنة أي 11 سبتمبر 1931 حتى يوم جلاء الجيش الإيطالي من بني غازي 1945. وتأسست في تلك السنة جمعية عمر المختار فأشهرت الرمس وجعلت منه قبرا رمرمته وأحاطته بسياج من حديد مع شاهد كتب عليه اسمه وتاريخ وفاته ودامت تحتفل بهذه المناسبة كل عام .. وفي سنة 1957 نقل الجثمان إلى مكان آخر في جنوب المدينة في ميدان قرب الملعب البلدي حيث شيّد له مدفن آخر على نمط مدفن سعد زغلول وهو محل تجلّة من جميع الزائرين. ثم أعيد نقله للمرة الثالثة إلى بلدة سلوق التي شنق بها. (3)
رثاؤه ..
ايهذا الشهيد للشاعر أبي الخبر الطرابلسي.
ايهذا الشهيد ....... ما أنت إلا طارف العز تالد المجد سامي