ألا ما اثبت قلب هذا الرجل .. ما رأيت قطّ اثبت وأشجع وأجرأ منه .. أنا الذي جلست بعد ذلك كمستشار ورأيت من أهوال هذا المنصب ما يفتت العظم في أي بلاد جلست فيها وحتى ساعتي هذه لم أشاهد مثل عمر المختار أو اختلط به.
ركضت بين الناس لانتصب أمام باب القاعة بالسرعة الممكنة لأرى كيف يصعد سيدي عمر كما رايته كيف نزل من كرّوسة السجن القاتمة ... وساعدني الحظ أن يكون مكاني بجانبها .. ودلف سيدي عمر المختار من باب المحكمة بكل وحماس ونشاط ونزل المدرج كذلك ومشى من أعلى درجة به إلى الكرّوسة حوالي خمسة عشر مترا من طريق معبد ومرشوش بالماء لأن البلدية كانت ترش الشوارع كل صباح ولما فتح له باب الكروسة وامتدت إليه أيدي الحارسين ليساعداه رفضهما وصعد بنفسه.
كانت إذاعتنا وإعلامنا يومئذ هي الشارع. ومن غد أذيع بين الناس أن السكّة الحديدية مجانية لمن يريد السفر إلى بلدة " سلوق" جنوب بني غازي ليشاهد تنفيذ حكم الإعدام في قائد -العصاة- عمر المختار .. ولا اكتم ما اعتراني يوم المحاكمة إذ كنت لا أحس باني امشي على الأرض .. وساعة نومي كنت الصق وجهي بالحائط حتى لا تشعر جدتي بدموعي .. واضطررت إلى الصيام لأني لم استسغ الطعام.
تنفيذ الحكم ....