ولما وصلت وقفت أما مدرج المبنى بين صفّين من الحضور وقف أمامها صف آخر من الجندرمة ونزل السائق وفتح بابها وهر من الخلف ونزل سيدي عمر بين اثنين من الجندرمة مكبّلا بسلسلتين طرفاهما بيد الجندرميين وهو ملتف بجرده ونقابه كالعادة الدائمة فيه على رأسه ... عرفت من نزوله أن حالته الأدبية والنفسية قوية .. أدركت ذلك من نزلته النشطة وخفّة حركته رغم كبر سنّه وادخل المجلس وبعد فترة أذن لنا بالدخول.
ولما جلست تحققت تماما من هيئة السيد عمر وجدته ربعة به احديداب يشع وجهه حمرة زائدة ويلبس حذاء عسكريا.
في قاعة مربّعة الأرجاء وتحت قبّة ضخمة ليس بها مقاعد ثابتة بل كراسي مصففة وفي صدرها منصّة المحكمة وعن يسارها وقف سيدي عمر بين حارسين والسلسلتان تكادان تصلان الأرض من طولهما وعن يسار المنصّة "المدّعي العام" وقبالة المنصة منصة أخرى للمحامي وهذه الأماكن بعيدة عن مقاعد الجمهور. ودخلت هيئة المحكمة من حجرة جانبية قوامها رئيس وأربعة أعضاء ومعهم المترجم. وأخذت أماكنها وسأل الرئيس عن طريق المترجم ?
(أعيد نفس الكلمات والجمل كما نطقها هو بنفسه وعلى لهجتنا الليبية ولا زلت اذكر في ذاكرتي الطبيعية منظره وألفاظه أقوى من أي فيديو.
- من أنت؟
- أنا عمر المختار (ولأول مرّة سمع ذلك الصوت المهيب الذي دوّت له كل أرجاء القاعة. إن صوت عمر المختار يصحبني حتى هذه الكتابة ... صوت جهوري فصيح اكبر منه بكثير.
- يا عمر المختار أنت في هذه السنّ المتقدّم وتحارب إيطاليا ليش؟ ... وهنا تلعثم المترجم وانزهق فأمر الرئيس فورا بإبداله وأتي بمترجم آخر وأعاد عليه نفس السؤال.
- لا تقل تحارب أو تقاتل. ربنا فرض علينا وكتب الجهاد واحنا قاعدين نجاهد فيكم انتو اللي غصبتم الوطن والجهاد فرض واجب على كل مسلم.
- أنت تحارب دولة إيطاليا الفخيمة التي جاءت لتعلمكم وتدلكم على حياة أمن.