وآيات السورة تجئ موجزة ومحكمة، وفيها من وجوه البيان والبلاغة الكثير، فهناك الجناس: كما في قوله: «يذّكر، والذكرى»؛ والطباق: كما في قوله: «تصدّى وتلهّى»، والكناية: كما في قوله: «ثم السبيل يسّره». ومن وجوه الجمال في السورة أن تبدأ بقوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) (1) تخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بالغائب، تعظيما لقدره، فلم تقل «عبست وتولّيت»، ثم يواجهه الله تعالى بالخطاب فيها تأنيسا له فيقال: (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى) (4) فبيّن أن المؤمن مخلص لربّه رغم فقره، وسعيه لله على الحقيقة، والكافر مستغن بماله وعياله لا أمل فيه ولا رجاء. وما كان له وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتعرّض للمستغنى ويلحف عليه، ولا أن يتغافل عن المؤمن ويتلهّى عنه، فترك الأولى، ولم يجعل نذارته للجميع على السواء، لا يختص بالهداية أحدهم دون الآخر. والسورة إعلان بالمساواة بين الناس، بصرف النظر عن أن هذا شريف وذاك ضعيف، أو أنه غنى والآخر فقير، أو أنه من الكبراء والآخر من الصغراء، فالإسلام دين المساواة، وهو أول دين يحفل بالمعوقين، ويوليهم كل العناية، ويرفع عنهم الحرج، يقول: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (النور 61)، وأول دين يؤكد أن الناس عند الله بتقواهم وليسوا بأموالهم ولا أهاليهم. «وأمّا» في السورة للتفصيل، فالناس إما مؤمنون مصدّقون، وإما كفرة مكذّبون. وقوله تعالى: (كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ) (11) فيه تشديد على النهي عن معاملة الناس على أساس التفرقة بينهم إلا بالحق، وفيه الحثّ على المساواة بين الناس في إبلاغ العلم، فلا تمييز في العلم بين شريف ووضيع، أو بين معوّق وصحيح. ومن
776