، وكان بين هزيمة هؤلاء وهزيمة هؤلاء سنتان، وكانت وقعة بدر قبل غزوة بنى النضير بستة شهور، وشبّهت السورة حال اليهود من بنى قريظة بحال الشيطان، أرادوا غواية بنى النضير ليستمروا يقاتلون، فكان عاقبتهما شرّ الهزائم، كالشيطان ومن يغويه، مصيرهما إلى النار، وفي الآية: (نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (19) أن اليهود وقد نسوا حقّ الله أنساهم حقّ أنفسهم، ونسوه في الرخاء، فنساهم في الشدائد. وفى السورة بيان عن وجوب السنّة في قوله تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (7)، فكل ما أمر به النبيّ فيما ورد عنه من الأحاديث الصحيحة فهو أمر من الله تعالى، وقد حكم الرسول في هذه السورة أن يقسم الفيء إلى خمسة مصارف خصّ بها المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر محتاجين، منهم: أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصّمة. وهؤلاء جميعا كانوا فقراء ووزعت عليهم أموال بنى النضير إلا اثنين، هما: سفيان بن عمير، وسعد بن وهب لم يكونا قد أسلما. وجاء في تخصيص الفيء للفقراء من المهاجرين: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) (7)، أي حتى لا يتداول المال ويحصر بين الأغنياء ويحرم منه الفقراء، فيزداد الأغنياء غنى، ويزداد الفقراء فقرا، وتتسع الهوة بين الطبقات، وهذه هي اشتراكية الإسلام، وقوامها التقريب بين الدخول. وخصّ المهاجرون لأنهم أخرجوا بسبب الإسلام من أموالهم وديارهم، وتلك أكبر علامة على صدق إيمانهم. ولم يكن الأنصار أقل إيمانا، فقد كان منهم جماعة أسلموا قبل هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء لا يحسدون المهاجرين على ما أخلصهم الله، ويؤثرون على أنفسهم مع شدّة حاجتهم. و «الإيثار» في السورة من مصطلحات علم النفس الإسلامي، وهو تقديم الغير على النفس رغبة في الحظوظ الدينية عن الحظوظ الدنيوية، وتدفع إليه شدة اليقين. و «الإيثار بالنفس» فوق «الإيثار بالمال»، ومن الأمثال السائرة: «والجود بالنفس أقصر غاية الجود». ومن أمثال السورة قوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (9)، والشّح أشد من البخل، والشّح بخل مع حرص، والشح في الآية أن تؤثر نفسك على أخيك، والشح من مصطلحات الطب النفسي، والشحيح نمط من أنماط الشخصية، والشح إطلاقا هو الظلم واتباع الهوى، والميل عن الإيمان، وترك الفرائض، و «من يوقى شح نفسه» هو الذي لا يفعل ما حرّم الله ونهى عنه. ويتجاوز الثناء في السورة إلى التابعين، وهم الفرقة الثالثة من فرق مجتمع المدينة بعد المهاجرين والأنصار، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) (10)، وهذا الدعاء دليل على وجوب محبة الصحابة ومحبة من يحبهم.
720