وأشجار السدر المخضود والطلح المنضود في كل مكان، والأول هو النبق لم يعد له شوك، والثاني هو الموز المتراكب بعضه فوق بعض؛ وفرشهم أو مجالسهم مرفوعة، وتطوف عليهم جميلات، عرب بسّامات لطيفات، أتراب متشابهات في السن. ثم تأتي المقارنة بين جزاء السابقين وجزاء أصحاب اليمين، وجزاء أصحاب الشمال، وفي الجزء أو المشهد الخامس: الأخيرون ظلهم من يحموم وهو الدخان الأسود، وتلفحهم رياح السموم الحارة تدخل في المسام، ويسقون من حميم يحرق الكبد بحرارته وغليانه، لا هو بارد ولا كريم، كقوله: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) (الزمر 6)، وهؤلاء كانوا في الدنيا مترفين، وويل للمترفين المتنعّمين؛ وفي القرآن تأتي المترفون ثماني مرات، يتوعّدهم الله فيها جميعا، وعندهم ما ثم غير الحنث العظيم، أي الشّرك، وليس من مترف إلا وفي قلبه شك وكفر بالآخرة والبعث والحساب، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم - ومن بعده أصحاب البلاغ والدعوة من أمة الإسلام - يقسم لهم كمقابل لقسمهم أو حنثهم بالباطل، بأنهم مجموعون لهذا اليوم المعلوم، وعندئذ يعذّبون، وبدلا من طعام الدنيا المترف سيكون طعامهم شجرة الزقوم - أنتن وأبغض أنواع الشجر، قيل يزقم أو يزكم الأنوف من رائحته الكريهة، وليس لهم من طعام إلا لحاء هذه الشجرة، يعضّون عليه ويملئون منه بطونهم حتى الشبع، فلا يجدون لظمئهم إلا ماء الحميم المغلى، يعبّونه كالحيوانات الهيم العطاش. وهكذا تنتهي هذه الأجزاء الخمسة من السورة، وقد استنفدت وصف المنازل الثلاثة للفئات الثلاث يوم القيامة. ثم يكون الجزء السادس: ويعالج أدلة وبراهين وجود الله وقدرته، يسوقها حتى لا يكون هناك عذر لمعتذر: ويبدأ الحجاج في هذا الجزء بعبارة منطقية تحتمل التكذيب والتصديق، فقال تعالى: (نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ) (57)، إلا أن منطق الحال في الكون يقضى بصدق العبارة، لأنه إن لم يكن لهذا الكون خالق، فكيف إذن كان الكون؟ هل خلق نفسه؟ فلا بد من التسليم بأن الخالق هو الله ولو ادّعى آخر بأنه الخالق لتشككنا في الله، ولكن لم يدّع آخر بأنه الخالق، فلم يعد إلا التسليم بدعوة الله أنه الخالق. فلو صدّقنا ذلك، فهلا صدّقنا أيضا بالبعث، لأن الإعادة كالابتداء - وتترى الآيات بالحجج أنه تعالى الخالق، وهي خمس حجج: الأولى حجة المنيّ: فهذا المنيّ الذي نشهده يصب في الأرحام، كيف جاء، ومما خلق؟ أليس الخالق هو الله؟ ثم الحجة الثانية هي: حجة الموت والخلق، فمن يستطيع أن يميتنا في الحقيقة؟ أليس هو الله؟ ومن يخلق من يحل محلنا ويأتي بعدنا، أليس هو الله؟ ألا يخلق الناس جيلا بعد جيل، ونشأ بعد نشء ولم يكونوا من قبل شيئا؟ فلماذا لا يستطيع أن يبعثنا من جديد؟ والذي أنشأنا النشأة الأولى قادر على أن ينشأنا النشأة الثانية! والحجة
704