تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عناصره بسيطة إلا أن الكائنات المركبة منها هائلة وعظيمة. وبعد أن يقسم الله تعالى بالحروف يأتي في جواب القسم السؤال الاستنكارى: أيحسب الناس أن يتركوا من غير افتنان لمجرد قولهم باللسان أنهم آمنوا، فإذا نزلت بهم المحنة انتكسوا وارتدّوا عن الإسلام؟ فليبيننّ الله الذين صدقوا فقالوا نحن مؤمنون، واعتقدوا مثل ذلك، والذين كذّبوا حين اعتقدوا غير ذلك. ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، ولا ينبغي أن يمنعه شيء عن الله، فحتى الوالدان لو جاهدا ولدهما ليشرك بالله فلا يطعهما. ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله، جعل فتنة الناس كعذاب الله. وتسترسل السورة تتحدث عن محنة الأنبياء وما لاقوه من الشدائد، بدءا من نوح، ثم إبراهيم، ثم لوط، ثم شعيب؛ فنوح، وهذا الأخير لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فلما استيأس منهم أخذهم الطوفان، ونجّاه الله ومن معه، آية للعالمين؛ وإبراهيم: دعا قومه أن يعبدوا الله ويتركوا عبادة الأوثان، فما كان منهم إلا أن أمروا بقتله أو حرقه، وأنجاه الله من النار، وآمن به لوط، وهاجرا في أرض الله الواسعة، فكانا أول مهاجرين في الله، وعوّض الله إبراهيم وآتاه الأبناء، وبارك في ذريته فآتاهم النبوة وجعلها فيهم. وكان نصيب لوط أرض سدوم وعمورة، وكان أهلها يأتون الفاحشة، واستغنوا بالرجال عن النساء، وكانوا أول من ابتدع اللواط الجماعى وبشكل سافر، ومارست النساء السحاق، وأنزل عليهم العذاب، ونجيّ الله لوطا وابنتيه، وحرّقت سدوم وعمورة، فكانت بقايا الدمار فيهما آية وعظة لمن يتفكرون. وشعيب: كذّبه قومه، وأفسدوا، فأخذتهم الصيحة، وماتوا وهم جاثمون في دورهم. وأهل عاد وثمود كانوا من الظالمين، فأخذتهم الرجفة، فزلزلوا وانهدمت مساكنهم على رءوسهم. وقارون وفرعون وهامان: جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا، فأخذهم الله بذنوبهم، ولم يظلم الله أحدا ولكن ظلموا أنفسهم. وبعد ذلك الاستعراض لمحنة الأنبياء بيّنت السورة عظمة القرآن المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم، ووعظت المسلمين أن يلزموا الصلاة والذكر، ولا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ومن أهل الكتاب من يؤمن به، وما يجحد آياته إلا الكافرون. ولو كان محمد يكتب ويقرأ الكتب من قبل القرآن، لكان معهم الحق أن يرتابوا فيه، أي في القرآن، أنه جمعه مما قرأ من الكتب، ويتهافت هذا الادعاء أمام عظمة القرآن، فماوتنتقل السورة إلى تحريض المؤمنين على الهجرة والجهاد، وأن لا يخافوا عاقبة الخروج إلى أرض الله الواسعة، فالله هو الذي يرزق حتى الدواب، أفلا يرزق أنصاره؟ وهو الذي خلق الشمس والقمر والسماوات والأرض، أيعجز عن أن يرزق عباده؟ وهو الله العلى القدير، فلا ينبغي أن يخشوا شيئا في كنفه وحفظه، ولو ماتوا فالجنة مصيرهم، وما الدنيا إلا لهو ولعب، والآخرة هي الحيوان، أي الدار الباقية. فما بالهم لو ركبوا الفلك ولعب بهم الموج، يدعون الله مخلصين، فإذا نجّاهم أشركوا وكفروا بما آتاهم؟ وهذا الحرم أمّنه لهم وهم كفار، فبينما الناس يتخطّفون من حولهم كانوا هم آمنين، أفلا يكون أكثر أمنا لهم وهم مؤمنون؟ وتختتم السورة ببيان جزاء الصابرين في المحن، والمجاهدين بأنواع الجهاد في سبيل الله، وبوعد منه تعالى أن يكون مع المحسنين، فلله الحمد والمنّة، وبه التوفيق والعصمة.

* * *

611 - سورة الروم

كان من الممكن أن يكون القرآن محل ريبة، وآياته بيّنات، من غير أن تكون سحرا ولا شعرا، ولكنها أحكام وآداب وقصص يعيها ويحفظها أهل العلم. ولو نزّل الله بدلا من القرآن آيات كآيات موسى، لقالوا إنها سحر وهم لا يعرفون السحر، ولاستعجلوا العذاب مع ذلك، مع أن العذاب قريب لو علموا، والساعة موعدهم.

619

موسوعة القرآن العظيم · الصفحة ٦٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة القرآن العظيمص ٦٣٧