اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (78) (آل عمران)، فحذّر من غشّهم وخداعهم، ومعاييرهم الأخلاقية المزدوجة double bind - وهي التي نعانى منها ونعاينها في حياتنا المعاصرة، ولذلك حرّفوا الكلم عن مواضعه، وكانوا أساتذة في هذا العلم المقيت، وبدّلوا كلام الله وأزالوه عن المراد له، ليوهموا أن ما زيّفوه واخترعوه هو من كلام الله، ونسبوه إليه تعالى، وفضحهم كذبهم، سواء في كتب العهد القديم أو في كتب العهد الجديد، ومن أجل ذلك اختلفت التوراة والأناجيل عن القرآن، وما ورد عنهما في القرآن ليس مقصودا به هذه التوراة ولا هذه الأناجيل، والمقصود بالتوراة في القرآن شريعة موسى وتعاليمه التي أنزلها ربّ العالمين عليه، ودوّنها الله كما يقولون، أو دوّنها موسى - كما نعتقد - في اللوحين، ومن أجلها بقى فوق الجبل أربعين يوما. والتوراة إذن تعنى الشريعة أو التعاليم، وهي ما اصطلح عليه باسم الوصايا العشر، وهي في الحق أكثر من هذا العدد. غير أن اليهود ينسبون إلى موسى أسفارا - جمع سفر - وهو الكتاب، عددها خمسة أسفار، وواضح من سياقها أن موسى لم يكتبها، ولم تتنزل عليه، ولم توح إليه، ولم يلهمها، لأن موسى لا يمكن أن يقول عن نفسه أثناء روايته «إن موسى كيت وكيت»، أو «فعل موسى كذا وكذا»، وبعض ما أوردته هذه الأسفار عن وقائع توردها بأسماء كانت لها في زمان لاحق على موسى، ولم يشهد موسى من هذه الوقائع شيئا، ولم يعرف من هذه الأسماء اسما. واليهود عادة عند ما يتحدثون عن التوراة لا يقصرون الحديث فيها على الأسفار الخمسة، والتي عرفت في اليونانية باسم البانتاتيوكس، وظل ذلك اسمها عند اللاتين ثم عند الأوروبيين، فهناك غير هذه الكتب اثنان وأربعون كتابا يؤلفون مع الكتب الخمسة ما يسمى بالعهد العتيق، واليهود يؤمنون بها جميعا إلا السامريين منهم، فلا يقرون إلا بسبعة كتب منها لا غير، هي الكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى، بالإضافة إلى كتاب يوشع بن نون، وكتاب القضاة: والسامريون يختلفون مع اليهود حتى في التوراة نفسها، ولهم نسختهم الخاصة التي تختلف عن نسخة اليهود. وكذلك يخالف المسيحيون اليهود في اعتبار أسفار أستير، وباروخ، ودانيال، وطوبيا، ويهوديت، والحكمة، والجامعة، والمقابيين أول وثان من الكتاب المقدس، وكانوا حتى سنة 325 م يرفضونها بالإجماع، ثم لمّا انعقد مجلس كبرائهم لذلك في تلك السنة أوجبوا التسليم بسفر يهوديت، وأبقوا الشك في الكتب الثمانية الأخرى، ثم اجتمعوا مرة أخرى سنة 364 م، فأوجبوا التسليم مرة أخرى بسفر يهوديت، واجتمعوا للمرة الثالثة سنة 397 م فأقرّوا أيضا أسفار الحكمة، وطوبيا، وباروخ، والجامعة، والمقابيين الأول والثاني. وظل الحال على هذا الوضع إلى أن ظهر
435